Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } * { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } * { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }

{ وَنَرِثُهُ } بموته { مَا يَقُولُ } أي مسمَّى ما يقول ومصداقَه وهو ما أوتيه في الدنيا من المال والولد، وفيه إيذانٌ بأنه ليس لما يقوله مصداقٌ موجودٌ سوى ما ذكر أي ننزِع عنه ما آتيناه { وَيَأْتِينَا } يوم القيامة { فَرْداً } لا يصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له في الدنيا فضلاً أن يُؤتىٰ ثمةَ زائداً، وقيل: نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه ما يستحقه ويأباه معنى الإرث، وقيل: المرادُ بما يقول نفسُ القول المذكور لا مسمّاه، والمعنى إنما يقول هذا القولَ ما دام حياً فإذا قبضناه حُلْنا بـينه وبـين أن يقوله ويأتينا رافضاً له منفرداً عنه، وأنت خبـير بأن ذلك مبنيٌّ على أن صدورَ القول المذكورِ عنه بطريق الاعتقادِ وأنه مستمرٌّ على التفوّه به راجٍ لوقوع مضمونِه، ولا ريب في أن ذلك مستحيلٌ ممن كفر بالبعث وإنما قال ما قال بطريق الاستهزاء وتعليقِ أداءِ دَيْنه بالمُحال.

{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً } حكايةٌ لجناية عامةٍ للكل مستتبِعةٌ لضدّ ما يرجُون ترتّبه عليها إثرَ حكاية مقالةِ الكافرِ المعهودِ واستتباعِها لنقيض مضمونِها، أي اتخذوا الأصنامَ آلهةً متجاوزين الله تعالى { لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } أي ليُعزَّزوا بهم بأن يكونوا لهم وصلةً إليه عز وجل وشفعاءَ عنده.

{ كَلاَّ } ردعٌ لهم عن ذلك الاعتقادِ وإنكارٌ لوقوع ما علّقوا به أطماعَهم الفارغة { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ } أي ستجحد الآلهةُ بعبادتهم لها بأن يُنطِقَها الله تعالى وتقولَ: ما عبدتمونا، أو سينكر الكفرةُ حين شاهدوا سوءَ عاقبة كفرهم عبادتَهم لها كما في قوله تعالى:وَٱللَّه رَبّنَا مَا كُنا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23] ومعنى قوله تعالى: { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } على الأول تكون الآلهةُ التي كانوا يرجون أن تكون عِزاً ضدّاً للعز أي ذلاً وهُوناً، أو تكون عوناً عليهم وآلةً لعذابهم حيث تُجعل وَقودَ النار وحصَبَ جهنم، أو حيث كانت عبادتُهم لها سبباً لعذابهم، وإطلاقُ الضدِّ على العَون لما أن عَونَ الرجل يُضادُّ عدوَّه وينافيه بإعانته له عليه، وعلى الثاني يكون الكفرةُ ضداً وأعداءً للآلهة كافرين بها بعد أن كانوا يحبونها كحب الله ويعبُدونها. وتوحيدُ الضدِّ لوَحدة المعنى الذي عليه تدور مُضادّتُهم فإنهم بذلك كشيء واحدٍ كما في قوله عليه السلام: " وهم يدٌ على مَنْ سواهم " وقرىء كَلاًّ بفتح الكاف والتنوين على قلب الألفِ نوناً في الوقف قلْبَ ألفِ الإطلاق في قوله: [الوافر]
أقِليِّ اللومَ عاذِلَ والعِتابَن   وقولي إن أصبتُ لقد أصابنْ
أو على معنى كَلَّ هذا الرأيُ كلاًّ، وقرىء كلاّ على إضمار فعل يفسّره ما بعده أي سيجحدون، كلاّ سيكفرون الخ.