Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } * { آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً }

{ قَالَ مَا مَكَّنّى } بالإدغام وقرىء بالفك، أي ما مكّنني { فِيهِ رَبّى } وجعلني فيه مكيناً وقادراً من المُلك والمال وسائرِ الأسباب { خَيْرٌ } أي مما تريدون أن تبذُلوه إليّ من الخَرْج فلا حاجة بـي إليه { فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ } أي بفَعَلة وصُنّاع يُحسنون البناءَ والعمل وبآلات لا بد منها من البناء، والفاءُ لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكّنه الله تعالى فيه من مالهم أو على عدم قَبولِ خَرْجهم { أَجَعَل } جواب للأمر { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ } تقديمُ إضافةِ الظرف إلى ضمير المخاطبـين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج، لإظهار كمالِ العناية بمصالحهم كما راعَوْه في قولهم: بـيننا وبـينهم { رَدْمًا } أي حاجزاً حصيناً وبرزخاً متيناً وهو أكبرُ من السدّ وأوثقُ، يقال: ثوبٌ مُرَدّم أي فيه رِقاع فوق رِقاعٍ وهذا إسعافٌ بمرامهم فوق ما يرجونه.

{ ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } جمع زُبْره كغرف في غرفة وهي القطعةُ الكبـيرة وهذا لا ينافي ردّ خراجِهم لأن المأمورَ به الإيتاءُ بالثمن أو المناولةُ كما ينبىء عنه القراءة بوصل الهمزة، أي جيئوني بزُبَر الحديد على حذف الباء كما في أمرتك الخيرَ، ولأن إيتاءَ الآلة من قبـيل الإعانةِ بالقوة دون الخَراج على العمل، ولعل تخصيصَ الأمر بالإيتاء بها دون سائرِ الآلات من الصخور والحطبِ ونحوِهما لِما أن الحاجة إليها أمسُّ إذ هي الركنُ في السد ووجودُها أعزُّ. قيل: حفَر الأساسَ حتى بلغ الماء وجعل الأساسَ من الصخر والنحاس المذابِ والبنيانَ من زُبر الحديد بـينها الحطبُ والفحم حتى سدّ ما بـين الجبلين إلى أعلاهما وكان مائةَ فرسخ وذلك قوله عز قائلاً: { حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ } أي آتَوه إياها فإخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بـين ناحيتي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في السَّمْك على النهج المحكيِّ، قيل: كان ارتفاعُه مائتي ذارعٍ وعَرضُه خمسين ذراعاً، وقرىء سوّى من التسوية وسُووِيَ على البناء للمجهول { قَالَ } للعَمَلة { ٱنفُخُواْ } أي بالكيران في الحديد المبني ففعلوا { حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ } أي المنفوخ فيه { نَارًا } أي كالنار في الحرارة والهيئة، وإسنادُ الجعل المذكور إلى ذي القرتين مع أنه فعلُ الفَعَلة للتنبـيه علي أنه العُمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلةِ { قَالَ } للذين يتولَّوْن أمرَ النحاس من الإذابة ونحوِهما { آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } أي آتوني قِطراً أي نُحاساً مذاباً أفرِغْ عليه قطراً، فحُذف الأول لدِلالة الثاني عليه، وقرىء بالوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإعانة باليد عند الإفراغ وإسنادُ الإفراغِ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً وكذا الكلامُ في قوله تعالى: { سَاوِى } وقولِه تعالى: { أَجَعَلْ }.