Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } * { وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً } * { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَٰهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً }

{ وَرَبُّكَ } مبتدأ وقوله تعالى: { ٱلْغَفُورُ } خبرُه وقوله تعالى: { ذُو ٱلرَّحْمَةِ } أي الموصوفُ بها، خبرٌ بعد خبرٍ، وإيرادُ المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبـيه على كثرة الذنوب، ولأن المغفرةَ تركُ المضارّ وهو سبحانه قادرٌ على ترك ما لا يتناهى من العذاب، وأما الرحمةُ فهي فعل وإيجادٌ ولا يدخل تحت الوجود إلا ما يتناهى، وتقديمُ الوصف الأولِ لأن التخليةَ قبل التحلية أو لأنه أهمُّ بحسب الحال إذ المقامُ مقامُ بـيانِ العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يُعرب عنه قوله عز وجل: { لَوْ يُؤَاخِذُهُم } أي لو يريد مؤاخذتهم { بِمَا كَسَبُواْ } من المعاصي التي من جملتها ما حُكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضِهم عن آيات ربهم وعدمِ المبالاة بما اجترحوا من المُوبقات { لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } لاستيجاب أعمالِهم لذلك، وإيثارُ المؤاخذةِ المنبئة عن شدة الأخذِ بسرعة على التعذيب والعقوبةِ ونحوهما للإيذان بأن النفيَ المستفادَ من مقدَّم الشرطية متعلقٌ بوصف السرعة كما ينبىء عنه تاليها، وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضيّ لإفادة أن انتفاءَ تعجيلِ العذاب لهم بسبب استمرار عدمِ إرادة المؤاخذة فإن المضارعَ الواقعَ موقعَ الماضي يفيد استمرارَ انتفاءِ الفعل فيما مضى كما حُقق في موضعه { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } اسمُ زمان هو يومُ القيامة، والمجلةُ معطوفةٌ على مقدر كأنه قيل: لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتةً { لَّن يَجِدُواْ } البتةَ { مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منْجى أو ملجأً، يقال: وأل أي نجا ووأل إليه أي لجأ إليه.

{ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } أي قرى عاد وثمودَ وأضرابِها، وهي مبتدأٌ على تقدير المضافِ أي وأهلُ تلك القرى خبرُه قوله تعالى: { أَهْلَكْنَـٰهُمْ } أو مفعولٌ مضمرٌ مفسر به { لَمَّا ظَلَمُواْ } أي وقت ظلمِهم كما فعلت قريشٌ بما حُكي عنهم من القبائح، وتركُ المفعول إما لتعميم الظلم أو لتنزيله منزلةَ اللازم أي لما فعلوا الظلم، ولمّا إما حرفٌ كما قال ابنُ عصفور، وإما ظرفٌ استعمل للتعليل وليس المرادُ به الوقتَ المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمانٌ ممتدٌ من ابتداء الظلم إلى آخره { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم } أي عيّنّا لهلاكهم { مَّوْعِدًا } أي وقتاً معيناً لا محيدَ لهم عن ذلك، وهذا اسشهاد على ما فُعل بقريش من تعيـين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب، وقرىء بضم الميم وفتح اللام أي إهلاكهم وبفتحهما.

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } نصب بإضمار فعل، أي اذكر وقت قوله عليه السلام { لِفَتَـٰهُ } وهو يوشعُ بن نونٍ بنِ أفرايمَ بنِ يوسفَ عليه السلام، سُمّي فتاه إذ كان يخدُمه ويتبعه، وقيل: كان يتعلم منه ويسمى التلميذُ فتًى وإن كان شيخاً، ولعل المرادَ بتذكيره ـ عَقيب بـيانِ أن لكل أمة موعداً ـ تذكيرُ ما في القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر المنافعِ الجليلة { لا أَبْرَحُ } من برِح الناقصِ كزال يزال، أي لا أزال أسير فحُذف الخبر اعتماداً على قرينة الحالِ إذْ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقُبه من قوله: { حَتَّىٰ أَبْلُغَ } فإن ذلك غايةٌ تستدعي ذا غايةً يؤدّي إليها، ويجوز أن يكون أصلُ الكلام لا يبرَح مسيري حاصلاً حتى أبلُغ فيُحذف المضافُ ويقام المضافُ إليه مُقامَه فينقلب الضمير البارزُ المجرورُ المحلِّ مرفوعاً مستكنًّا، والفعلُ من صيغة الغَيبة إلى التكلم.

السابقالتالي
2