Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } * { وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً }

{ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } لزوالها كما ينبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام: " أتاني جبريلُ عليه السلام لدُلوك الشمس حين زالت فصلّى بـي الظهرَ " واشتقاقُه من الدّلْك لأن من نظر إليها حينئذ يدُلك عينه، وقيل: لغروبها من دلَكَت الشمس أي غربت، وقيل: أصلُ الدلوك الميلُ فينتظم كِلا المعنيـين، واللامُ للتأقيت مِثلُها في قولك: لثلاثٍ خلَوْن { إِلَى غَسَقِ ٱلَّيْلِ } إلى اجتماع ظلمتِه وهو وقتُ صلاةِ العِشاء، وليس المرادُ إقامتَها فيما بـين الوقتين على وجه الاستمرارِ بل إقامةَ كل صلاةٍ في وقتها الذي عُيِّن لها ببـيان جبريلَ عليه السلام، كما أن أعدادَ ركعاتِ كل صلاةٍ موكولةٍ إلى بـيانه عليه السلام، ولعل الاكتفاءَ ببـيان المبدأ والمنتهىٰ في أوقات الصلواتِ من غير فصل بـينها لما أن الإنسانَ فيما بـين هذه الأوقاتِ على اليقظة فبعضُها متصلٌ ببعض بخلاف أولِ وقتِ العشاءِ والفجرِ، فإنه باشتغاله فيما بـينهما بالنوم ينقطع أحدُهما عن الآخر ولذلك فُصل وقتُ الفجر عن سائر الأوقات، وقيل: المرادُ بالصلاة صلاةُ المغرب، والتحديدُ المذكور بـيانٌ لمبدئه ومنتهاه واستُدِل به على امتداد وقتِه إلى غروب الشفق، وقوله تعالى: { وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ } أي صلاةَ الفجر نُصب عطفاً على مفعول أقم أو على الإغراء قاله الزجّاج، وإنما سُمِّيت قرآنا لأن رُكنُها كما تُسمّى ركوعاً وسجوداً واستُدل به على الركنية، ولكن لا دِلالةَ له على ذلك لجواز كونِ مدارِ التجوز كونَ القراءة مندوبةً فيها. نعم لو فُسّر بالقراءة في صلاة الفجر لدل الأمرُ بإقامتها على الوجوب فيها نصاً وفيما عداها دِلالةً، ويجوز أن يكون (وقرآنَ الفجر) حثًّا على تطويل القراءةِ في صلاة الفجر { إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ } أظهر في مقام الإضمارِ إبانةً لمزيد الاهتمامِ به { كَانَ مَشْهُودًا } يشهده ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار أو شواهدُ القدرة من تبدُّل الضياء بالظلمة والانتباهِ بالنوم الذي هو أخو الموتِ، أو يشهده كثيرٌ من المصلين أو من حقه أن يشهَده الجمُّ الغفيرُ فالآيةُ ـ على تفسير الدُّلوك بالزوال ـ جامعةٌ للصلوات الخمس، وعلى تفسيره بالغروب لِما عدا الظهرَ والعصر.

{ وَمِنَ ٱلَّيْلِ } قيل: هو نصبٌ على الإغراء أي الزمْ بعضَ الليل، وقيل: لا يكون المُغْرىٰ به حرفاً ولا يجدي نفعاً كونُ معناها التبعيضَ، فإن واو مع ليست اسماً بالإجماعِ وإن كانت بمعنى الاسمِ الصريحِ بل هو منصوبٌ على الظرفية بمضمر أي قم بعضَ الليل { فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي أزِلْ وألقِ الهجودَ أي النوم فإن صيغةَ التفعّل تجيء للإزالة كالتحرّج والتحنّث والتأثّم ونظائرِها، والضميرُ المجرورُ للقرآن من حيث هو لا بقيد إضافتِه إلى الفجر أو البعضِ المفهوم من قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلَّيْلِ } ، أي تهجد في ذلك البعضِ على أن الباء بمعنى في، وقيل: منصوبٌ بتهجد أي تهجدْ بالقرآن بعضَ الليل على طريقة وإياي فارهبون { نَافِلَةً لَّكَ } فريضةً زائدةً على الصلوات الخمسِ المفروضةِ خاصةً بك دون الأمة ولعله هو الوجهُ في تأخير ذكرِها عن ذكر صلاةِ الفجر مع تقدم وقتها على وقتها أو تطوعاً، لكن لا لكونها زيادةً على الفرائض بل لكونها زيادةً له صلى الله عليه وسلم في الدرجات على ما قال مجاهد والسدي، فإنه عليه السلام مغفورٌ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيكون تطوعُه زيادةً في درجاته بخلاف من عداه من الأمة فإن تطوعَهم لتكفير ذنوبهم وتدارُكِ الخللِ الواقعِ في فرائضهم، وانتصابُها إما على المصدرية بتقدير تنفّلْ أو بجعل تهجدْ بمعناه أو بجعل نافلةً بمعنى تهجداً فإن ذلك عبادةٌ زائدةٌ، وإما على الحالية من الضمير الراجعِ إلى القرآن أي حالَ كونها صلاةً نافلةً، وإما على المفعولية لتهجّدْ إذا جُعل بمعنى صلِّ وجعل الضميرُ المجرور للبعض، أي فصلِّ في ذلك البعضِ نافلةً لك.

السابقالتالي
2