Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } * { لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً }

{ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } كيف في محل النصبِ بفضّلنا على الحالية والمرادُ توضيحُ ما مر من الإمداد وعدمِ محظوريةِ العطاء بالتنبـيه على استحضار مراتبِ أحد العطاءين والاستدلالِ بها على مراتب الآخر، أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضَهم على بعض فيما أمددناهم به من العطايا العاجلة، فمِنْ وضيع ورفيع وضَالعٍ وضليع ومالكٍ ومملوكٍ ومُوسرٍ وصُعلوكٍ تعرِفْ بذلك مراتبَ العطايا الآجلةِ ودرجاتِ تفاضل أهلِها على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله تعالى: { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ } أي هي وما فيها أكبرُ من الدنيا، وقرىء أكثرُ { دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } لأن التفاوتَ فيها بالجنة ودرجاتِها العالية التي لا يقادر قدرُها ولا يُكتنه كُنهُها، كيف لا وقد عُبّر عنه بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطَر على قلب بشر. هذا ويجوز أن يراد بما به الإمدادُ العطايا العاجلةُ فقط ويُحمل القصرُ المذكورُ على دفع توهم اختصاصِها بالفريق الأول، فإن تخصيصَ إرادتهم لها ووصولَهم إليها بالذكر من غير تعرض لبـيان النسبةِ بـينها وبـين الفريق الثاني إرادةً ووصولاً مما يُوهم اختصاصَها بالأولين، فالمعنى كلُّ واحد من الفريقين نُمِد بالعطايا العاجلة لا مَنْ ذكرنا إرادتَه لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسعِ وما كان عطاؤُه الدنيويُّ محظوراً من أحد ممن يريده وممن يريد غيره، انظر كيف فضلنا في ذلك العطاءِ بعضَ كلَ من الفريقين على بعض آخرَ منهما وللآخِرةُ.. الآية. واعتبارُ عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأولِ ـ تحقيقاً لشمول الإمدادِ له كما فعله الجمهور حيث قالوا: لا يمنعه مِن عاصٍ لعصيانه ـ يقتضي كونَ القصر لدفع توهم اختصاصِ الإمداد الدنيويِّ بالفريق الثاني مع أنه لم يسبِقْ في الكلام ما يوهم ثبوتَه له فضلاً عن إيهام اختصاصِه.

{ لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ } الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام والمرادُ به أمتُه وهو من باب التهيـيجِ والإلهاب، أو كلِّ أحد ممن يصلح للخطاب { فَتَقْعُدَ } بالنصب جواباً للنهي، والقعودُ بمعنى الصيرورة من قولهم: شحذ الشفرةَ حتى قعَدتْ كأنها خَرِبة، أو بمعنى العجز، مِن قعد عنه أي عجز عنه { مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } خبران أو حالان أي جامعاً على نفسك الذمَّ من الملائكة والمؤمنين والخِذلانَ من الله تعالى، وفيه إشعارٌ بأن الموحِّدَ جامعٌ بـين المدح والنُّصرة.