Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } * { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }

{ وَلَكُمْ فِيهَا } مع ما فصل من أنواع المنافع الضرورية { جَمَالٌ } أي زينةٌ في أعين الناس ووَجاهةٌ عندهم { حِينَ تُرِيحُونَ } ترُدّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تخرِجونها بالغداة من حظائرها إلى مسارحها، فالمفعول محذوفٌ من كلا الفعلين لرعاية الفواصل، وتعيـينُ الوقتين لأن ما يدور عليه أمرُ الجمال من تزين الأفنية والأكنافِ بها وبتجاوب ثُغائها ورُغائها إنما هو عند ورودِها وخطورها في ذينك الوقتين، وأما عند كونِها في المراعي فينقطع إضافتُها الحسية إلى أربابها، وعند كونِها في الحظائر لا يراها راءٍ ولا ينظر إليها ناظرٌ، وتقديمُ الإراحةِ على السَّرْح لتقدم الورودِ على الصدور ولكونها أظهرَ منه في استتباع ما ذُكر من الجمال وأتمَّ في استجلاب الأنسِ والبهجة إذ فيها حضورٌ بعد غَيبة وإقبالٌ بعد إدبار على أحسن ما يكون ملأى البطونِ مرتفعةَ الضلوع حافلةَ الضروع، وقرىء حيناً تريحون وحيناً تسرحون على أن كِلا الفعلين وصفٌ لحيناً، بمعنى تريحون فيه وتسرحون فيه.

{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } جمع ثقل وهو متاعُ المسافر، وقيل: أثقالكم أجرامكم { إِلَىٰ بَلَدٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أريد به اليمنُ ومصرُ والشامُ، ولعله نظر إلى أنها متاجرُ أهل مكة، وقال عكرمةَ: أريد به مكةُ، ولعله نظر إلى أن أثقالَهم وأحمالهم عند القُفول من متاجرهم أكثرُ، وحاجتُهم إلى الحمولة أمسُّ، والظاهرُ أنه عام لكل بلد سحيق { لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ } واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا الإبل { إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } فضلاً عن استصحابها معكم، وقرىء بفتح الشين وهما لغتان بمعنى الكُلفة والمشقة، وقيل: المفتوحُ مصدرٌ من شق الأمرُ عليه شقاً، وحقيقتُه راجعة إلى الشِق الذي هو الصَّدْع والمكسورُ النصفِ كأنه يُذهب نصفَ القوة لما يناله من الجهد، فالإضافة إلى الأنفس مجازيةٌ، أو على تقدير مضاف أي إلا بشق قُوى الأنفس، وهو استثناءٌ مفرّغٌ من أعم الأشياء أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس، ولعل تغيـيرَ النظم الكريم السابقِ الدال على كون الأنعامِ مدار للنعم السابقة إلى الجملة الفعلية المفيدة لمجرد الحدوث للإشعار بأن هذه النعمةَ ليست في العموم بحسب المنشأ وبحسب المتعلق، وفي الشمول للأوقات والاطّراد في الأحيان المعهودة بمثابة النعمِ السالفة فإنها بحسب المنشأ وخاصةٌ بالإبل وبحسب المتعلق بالضاربـين في الأرض المتقلبـين فيها للتجارة وغيرِها في أحايـينَ غيرِ مطّردة، وأما سائرُ النعم المعدودةِ فموجودةٌ في جميع أصناف الأنعامِ وعامةٌ لكافة المخاطبـين دائماً، أو في عامة الأوقات { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ولذلك أسبغ عليكم هذه النعمَ الجليلةَ ويسّر لكم الأمورَ الشاقة.