Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ }

{ لوْ مَا تَأْتِينَا } كلمة لو عند تركّبها مع (ما) تفيد ما تفيده عند تركبها مع (لا) من معنى امتناعِ الشيء لوجود غيرِه ومعنى التحضيض، خلا أنه عند إرادتِه لا يليها إلا فعلٌ ظاهرٌ أو مضمرٌ، وعند إرادةِ المعنى الأول لا يليها إلا اسمٌ ظاهرٌ أو مقدر عند البصريـين، والمرادُ هٰهنا هو الثاني أي هلا تأتينا { بِٱلْمَلَـئِكَةِ } يشهدون بصحة نبوتِك ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى:لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } [الفرقان: 7] أو يعاقبونا على التكذيب كما تأتي الأممُ المكذّبة لرسلهم { إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في دعواك، فإن قدرةَ الله تعالى على ذلك مما لا ريب فيه، وكذا احتياجُك إليه في تمشية أمرِك فإنا لا نصدقك بدون ذلك، أو كنت من جملة تلك الرسلِ الصادقين الذين عُذّبت أممهم المكذبة لهم.

{ مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل، وقرىء من الإنزال، وقرىء تُنَزّل مضارعاً من التنزيل على صيغة البناء للمفعول، ومن التنزّل بحذف إحدى التاءين، وماضياً منه ومن التنزيل ومن الثلاثي، وهو كلامٌ مسوق إلى النبـي صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المَحْكية ورداً لاقتراحهم الباطلِ، ولشدة استدعاءِ ذلك للجواب قُدّم ردُّه على ما هو جوابٌ عن أولها أعني قوله:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } [الحجر: 9] الآية، كما فُعل في قوله تعالى:قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ } [هود: 33] فإنه مع كونه جواباً عن قولهم:فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } [هود: 32] قُدّم على قوله:وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } [هود: 34] الآية، مع كونه جواباً عن أول كلامِهم الذي هو قولُهم:قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا } [هود: 32] لِما ذُكر من شدة اقتضائِه للجواب وليكونَ أحدُ الجوابـين متصلاً بالسؤال، وفي العكس يلزَم انفصالُ كلَ من الجوابـين عن سؤاله، والعدولُ عن تطبـيقه لظاهر كلامِهم بصدد الاقتراحِ وهو أن يقال: ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في التعبـير حسبما أخطأوا في الاقتراح، وأن الملائكةَ لعلوّ رتبتهم أعلى من أن يُنسَبَ إليهم مطلقُ الإتيان الشاملِ للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها، بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصِدُ حركاتهم أولئك الكفرةَ وأن يدخلوا تحت ملكوتِ أحدٍ من البشر، وإنما الذي يليق بشأنهم النزولُ من مقامهم العالي وكونُ ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل { إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي ملتبساً بالوجه الذي يحِق ملابسةُ التنزيل به مما تقتضيه الحكمةُ وتجري به السنةُ الإلٰهية كقوله سبحانه:وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } [الحجر: 85] والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هُمْ ومنزلتُهم في الحقارة والهوانِ منزلتُهم، مما لا يكاد يدخل تحت الصِّحة والحِكمة أصلاً، فإن ذلك من باب التنزيلِ بالوحي الذي لا يكاد يُفتح على غير الأنبـياء الكرام من أفراد كُمَّلِ المؤمنين، فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئامِ؟ وإنما الذي يدخُل في حقهم تحت الحكمةِ في الجملة هو التنزيلُ للتعذيب والاستئصالِ كما فُعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة.

السابقالتالي
2