Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } * { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }

{ وَٱلْجَآنَّ } أبا الجن وقيل ابليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الانسان لأن تشغب الجنس لما كان من فردواحد مخلوق من مادة واجدة كان الجنس بأسره مخلوقاً منها وقرئ بالهمزة وانتصابه بفعل يفسره { خَلَقْنَاهُ } وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { مِن قَبْلُ } من قبل خلق الانسان ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله منكم للكل { مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } من نار الحر الشديد النافذ في المسام ولا امتناع من خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة فضلاً عن الأجسام المؤلفة التي غالب أجزائها الجزء الناري فانها أقبل لها من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي وقوله تعالى من نار باعتبار الغالب كقوله تعالى خلقكم من تراب ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجميع والاحياء.

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } نصب بإضمار اذكُر، وتذكيرُ الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئاً فشيئاً مع الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام اشعار بعلة الحكم وتشريف له عليه الصلاة والسلام أي اذكر وقت قوله تعالى { لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ } فيما سيأتي وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له البتة من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلونه { بَشَراً } أي انساناً قيل ليس هذا عين العبارة الجارية وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم اني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم وقيل حسماً كثيفاً يلاقي ويباشر وقيل خلقاً بادى البشر بلا صوف ولا شعرة { مِّن صَلْصَالٍ } متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله أي بشراً كائناً من صلصال كائن { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تقدم تفسيره ولا ينافي هذا ما في قوله تعالى في سورة ص من قوله بشراً من طين فإن عدم التعرض عند الحكاية لوصف الطين من التغير والاسوداد ولما ورد عليه من آثار التكوين لا يستلزم عدم التعرض لذلك عند وقوع المحكى غايته أنه لم يتعرض له هناك اكتفاء بما شرح ههنا.

{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } النفخ اجراء الريح الى تجويف جسم صالح لامساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وانما هو تمثيل لافاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فاذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري { فَقَعُواْ لَهُ } أمر من وقع يقع وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء كما قيل أي اسقطوا له { سَاجِدِينَ } تحية له وتعظيماً أو اسجدوا لله تعالى على أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى حكمته كقول حسان رضي الله تعالى عنه
أليس اول من صلى لقبلتكم   وأعلم الناس بالقرآن والسنن