Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } * { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ } * { وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } * { وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }

{ لَهُمْ عَذَابَ } شاقوَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ } بالقتل والأسر وسائرِ ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبةً على كفرهم { وَلَعَذَابُ ٱلاْخِرَةِ أَشَقُّ } من ذلك بالشدة والمدة { وَمَا لَهُم مّنَ ٱللَّهِ } من عذابه المذكور { مِن وَاقٍ } من حافظ يعصِمهم من ذلك، فمِن الأولى صلةٌ للوقاية والثانية مزيدةٌ للتأكيد.

{ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } أي صفتُها العجيبة الشأنِ التي في الغرابة كالمثل { ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } عن الكفر والمعاصي وهو مبتدأ خبرُه محذوفٌ عند سيبوبه أي فيما قصصنا عليك مثلُ الجنة وقوله تعالى: { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير لذلك المثَل على أنه حالٌ من الضمير المحذوف من الصلة العائدِ إلى الجنة أي وعدها وهو الخبرُ عند غيره، كقولك: شأنَ زيد يأتيه الناسُ ويعظمونه أو على حذف موصوفٍ أي مثلُ الجنة جنةٌ تجري الخ { أُكُلُهَا } ثمرُها { دَائِمٌ } لا ينقطع { وِظِلُّهَا } أيضاً كذلك لا تنسخه الشمسُ كما تنسخ ظلالَ الدنيا { تِلْكَ } الجنة المنعوتةُ بما ذكر { عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الكفرَ والمعاصيَ أي ما لهم ومنتهى أمرِهم { وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ } لا غيرُ، وفيه ما لا يخفى من إطماع المتقين وإقناطِ الكافرين.

{ وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } هم المسلمون من أهل الكتاب كعبد اللَّه بنِ سلام وكعبٍ وأضرابِهما ومَنْ آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجرانَ، وثمانيةٌ باليمن، واثنانَ وثلاثون بالحبشة { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } إذ هو الكتابُ الموعودُ في التوراة والإنجيل { وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } أي من أحزابهم وهم كفرتُهم الذين تحزّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرفِ والسيدِ والعاقبِ أسقُفيْ نجرانَ وأتباعِهما { مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } وهو الشرائعُ الحادثة إنشاءً أو نسخاً لا ما يوافق ما حرفوه وإلا لنُعيَ عليهم من أول الأمر أن مدارَ ذلك إنما هو جناياتُ أيديهم، وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه وإن لم يفرحوا به، وقيل: يجوز أن يراد بالموصول الأول عامتُهم فإنهم أيضاً يفرحون به لكونه مصداقاً لكتبهم في الجملة فحينئذ يكون قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ } الخ، تتمةً بمنزلة أن يقال: ومنهم من ينكر بعضه.

{ قُلْ } إلزاماً لهم ورداً لإنكارهم { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } أي شيئاً من الأشياء أو لا أفعل الإشراكَ به، والمراد قصرُ الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصرُ الأمرِ مطلقاً على عبادته تعالى خاصة، أي قل لهم: إنما أمرتُ فيما أُنزل إلي بعبادة الله وتوحيده، وظاهرٌ أن لا سبـيلَ لكم إلى إنكاره لإطباق جميعِ الأنبـياءِ والكتبِ على ذلك كقوله تعالى:قُلْ يٰأَهْلَ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } [آل عمران: 64] فما لكم تشركون به عُزيراً والمسيحَ؟ وقرىء ولا أشركُ به بالرفع على الاستئناف أي وأنا لا أشرك به { إِلَيْهِ } إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكورِ من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد { أَدْعُو } الناسَ لا إلى غيره أو لا إلى شيء آخرَ مما يُطبق عليه الكتبُ الإلٰهيةُ والأنبـياءُ عليهم الصلاة والسلام فما وجهُ إنكارِكم { وَإِلَيْهِ } إلى الله تعالى وحده { مَـئَابٍ } مرجعي للجزاء، وحيث كانت هذه الحجةُ الباهرة لازمةً لهم لا يجدون عنها محيصاً أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يخاطبَهم بذلك إلزاماً وتبكيتاً لهم، ثم شرُع في رد إنكارِهم لفروع الشرائع الواردةِ ابتداءً أو بدلاً من الشرائع المنسوخةِ ببـيان الحكمةِ في ذلك فقيل:

{ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ } أي ما أنزل إليك، وذلك إشارةٌ إلى مصدر أنزلناه أو أنزل إليك، ومحلُّه النصبُ على المصدرية أي مثلَ ذلك الإنزالِ البديعِ المنتظم لأصول مجمَعٍ عليها وفروعٍ متشعبة إلى موافِقة ومخالِفة حسبما تقتضيه قضيةُ الحكمةِ والمصلحة أنزلناه { حُكْمًا } حاكماً يحكم في القضايا والواقعات بالحق أو يُحكم به كذلك، والتعرضُ لذلك العنوان مع أن بعضَه ليس بحكم لتربـية وجوبِ مراعاتِه وتحتم المحافظةِ عليه { عَرَبِيّاً } مترجماً بلسان العربِ، والتعرضُ لذلك للإشارة إلى أن ذلك إحدى موادِّ المخالفة للكتب السابقةِ مع أن ذلك مقتضى الحكمةِ إذ بذلك يسهُل فهمه وإدراكُ إعجازه، والاقتصارُ على اشتمال الإنزالِ على أصول الديانات المجمعِ عليها حسبما يفيده قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } الخ، يأباه التعرّض لاتباع أهوائِهم وحديثِ المحو والإثبات، وأنْ لكل أجلٍ كتابٌ فإن المجمعَ عليه لا يتصور فيه الاستتباعُ والاتباع { وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } التي يدعونك إليها من تقرير الأمور المخالفةِ لما أنزل إليك من الحق كالصلاة إلى بـيت المقدس بعد التحويل { بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } العظيمِ الشأن الفائضِ من ذلك الحُكم العربـيِّ أو العلم بمضمونه { مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ } من جنابه العزيز، والالتفاتُ من التكلم إلى الغَيبة وإيرادُ الاسم الجليلِ لتربـية المهابة، قال الأزهري: لا يكون إلٰهاً حتى يكون معبوداً وحتى يكون خالقاً ورازقاً ومدبراً.

السابقالتالي
2