Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ } * { قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } * { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } * { فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } (من بعدُ) فضلاً عن إيفائه { وَلاَ تَقْرَبُونِ } بدخول بلادي فضلاً عن الإحسان في الإنزال والضيافةِ وهو إما نهيٌ أو نفيٌ معطوفٌ على محل الجزاءِ، وفيه دليلٌ على أنهم كانوا على نية الامتيازِ مرة بعد أخرى وأن ذلك كان معلوماً له عليه السلام { قَالُواْ سَنُرٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } أي سنخادعه عنه ونحتال في انتزاعه من يده ونجتهد في ذلك، وفيه تنبـيهٌ على عزة المطلبِ وصعوبةِ مناله { وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ } ذلك غيرَ مفرِّطين فيه ولا متوانين أو لقادرون عليه لا تتعانى به.

{ وَقَالَ } يوسف { لِفِتْيَانِهِ } غلمانه الكيالين جمع فتى وقرىء لفِتيته وهي جمعُ قلةٍ له { ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ } فإنه وكّل بكل رجل رجلاً يعبِّىء فيه بضاعتَهم التي شرَوا بها الطعامَ وكانت نعالاً وأدَماً وإنما فعله عليه السلام تفضّلاً عليهم وخوفاً من أن لا يكون عند أبـيه ما يرجِعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيه كما يُؤذن به قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } أي يعرِفون حقَّ ردِّها والتكرم في ذلك أو لكي يعرِفوها وهو ظاهرُ التعلق بقوله: { إِذَا ٱنْقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } فإن معرفتَهم لها مقيّدةٌ بالرجوع وتفريغِ الأوعية قطعاً، وأما معرفةُ حقِّ التكرم في ردها فهي وإن كانت في ذاتها غيرَ مقيدةٍ بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قُيّدت به { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حسبما أمرتهم به فإن التفضلَ عليهم بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعوازِ البِضاعةِ من أقوى الدواعي إلى الرجوع، وما قيل إنما فعله عليه السلام لما لم يرَ من الكرم أن يأخذ من أبـيه وإخوته ثمناً فكلامٌ حقٌّ في نفسه ولكن يأباه التعليلُ المذكور، وأما أن عِلّية الجعل المذكورِ للرجوع من حيث أن ديانتَهم تحمِلُهم على رد البضاعةِ لأنهم لا يستحِلّون إمساكها فمدارُه حُسبانُهم أنها بقِيت في رحالهم نسياناً وظاهرٌ أن ذلك مما لا يخطر ببال أحد أصلاً فإن هيئة التعبـيةِ تنادي بأن ذلك بطريق التفضّل، ألا يرى أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبراً.

{ فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ } قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع { قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ } أي فيما بعد، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على كون الامتيار مرةً بعد مرة معهوداً فيما بـينهم وبـينه عليه السلام { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } بنيامين إلى مصر وفيه إيذانٌ بأن مدارَ المنع عدمُ كونِه معهم { نَكْتَلْ } بسببه من الطعام ما نشاء. وقرأ حمزةُ والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ لكونه سبباً للاكتيال أو يكتلْ لنفسه مع اكتيالنا { وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } من أن يصيبَه مكروهٌ.