Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } * { قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } * { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }

{ وَجَاءهُ } أي لوطاً وهو في بـيته مع أضيافه { قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } أي يسرعون كأنما يُدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه، والجملةُ حالٌ من قومه وكذا قوله تعالى: { وَمِن قَبْلُ } أي من قبلِ هذا الوقت { كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } أي جاءوا مسرعين والحال أنهم كانوا منهمكين في علم السيئات فضَرُوا بها وتمرّنوا فيها حتى لم يبقَ عندهم قباحتُها ولذلك لم يستحيُوا مما فعلوا من مجيئهم مهرِعين مجاهرين { قَالَ يَـا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فتزوّجُوهن وكانوا يطلُبونهن من قبلُ ولا يُجيبهم لخبثهم وعدمِ كفاءتِهم لا لعدم مشروعيتِه فإن تزويجَ المسلماتِ من الكفار كان جائزاً وقد زوج النبـيُّ عليه الصلاة والسلام ابنتيه من عُتبةَ بنِ أبـي لهبٍ، وأبـي العاص بنِ الربـيع قبل الوحي وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجَهما ابنتيه وأيا ما كان فقد أراد به وقايةَ ضيفِه وذلك غايةُ الكرم، وقيل: ما كان ذلك القولُ منه مُجرًى على الحقيقة من إرادة النكاحِ بل كان ذلك مبالغةً في التواضع لهم وإظهاراً لشدة امتعاضِه مما أرادوه عليه طمعاً في أن يستحيوا منه ويرِقّوا له إذا سمعوا ذلك فينزجروا عما أقدموا عليه مع ظهور الأمر واستقرارِ العلم عنده وعندهم بأن لا مناكحةَ بـينهم وهو الأنسبُ بقولهم: لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حق كما ستقف عليه { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاءَ ضيفِ الرجل وجارِه إخزاءٌ له أو لا تخجلوني من الخَزاية وهي الحياء { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبـيح.

{ قَالُواْ } معرضين عما نصحهم به من الأمر بتقوى الله والنهي عن إخزائه مجيبـين عن أول كلامه { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } مستشهدين بعلمه بذلك يعنون إنك قد علمتَ ألا سبـيلَ إلى المناكحة بـيننا وبـينك وما عرْضُك إلا عرضٌ سابرِيّ ولا مطمعَ لنا في ذلك { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } من إتيان الذُكرانِ، ولما يئس عليه السلام من ارعوائهم عما هم عليه من الغي { قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } أي لفعلتُ بكم ما فعلت وصنعتُ ما صنعت كقوله تعالى:وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } [الرعد: 31] { أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطفٌ على أن لي بكم إلى آخره لما فيه من معنى الفعلِ أي لو قوِيتُ على دفعكم بنفسي أو أويت إلى ناصر عزيزٍ قويّ أتمنّع به عنكم، شَبّهه بركن الجبل في الشدة والمنعة. وروي عن النبـي صلى الله عليه وسلم: " رحِم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد " روي أنه عليه السلام أغلق بابَه دون أضيافِه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدارَ فلما رأت الملائكةُ ما على لوط من الكرب.