Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } * { يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } * { وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ }

{ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ } غيرُ عَجولٍ على الانتقام ممن أساء إليه { أَوَّاهٌ } كثيرُ التأوّه على الذنوب والتأسفِ على الناس { مُّنِيبٌ } راجعٌ إلى الله تعالى والمقصودُ بتعداد صفاتِه الجميلةِ المذكورةِ بـيانُ ما حَمله عليه السلام على ما صدر عنه من المجادلة.

{ يا إِبْرَاهِيمَ } أي قالت الملائكةُ: يا إبراهيمُ { أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا } الجدالِ { إِنَّهُ } أي الشأنَ { قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي قَدَرُه الجاري على وفق قضائِه الأزليِّ الذي هو عبارةٌ عن الإرادة الأزليةِ والعنايةِ الإلٰهيةِ المقتضيةِ لنظام الموجوداتِ على ترتيب خاصَ حسب تعلُّقِها بالأشياء في أوقاتها، وهو المعبّر عنه بالقدر { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } لا بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما. { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً } قال ابن عباس رضي الله عنهما: انطلَقوا من عند إبراهيمَ عليه السلام إلى لوط عليه السلام وبـين القريتين أربعةُ فراسخَ ودخلوا عليه في صور غِلمانٍ مُرْدٍ حسانِ الوجوه فلذلك { سِىء بِهِمْ } أي ساءه مجيئُهم لظنه أنهم أناسٌ فخاف أن يقصِدهم قومُه ويعجِزَ عن مدافعتهم، وقرأ نافعٌ وابن عامر، والكسائي وأبو عمرو: سيء وسيئت بإشمام السينِ الضمَّ. روي أن الله تعالى قال للملائكة: «لا تُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ أربعَ شهادات» فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمرُ هذه القريةِ؟ قالوا: وما أمرُها؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قريةٍ في الأرض عملاً، يقول ذلك أربعَ مراتٍ فدخلوا معه منزلَه ولم يعلم بذلك أحدٌ فخرجت امرأتُه فأخبرت به قومَها وقالت: إن في بـيت لوطٍ رجالاً ما رأيتُ مثلَ وجوهِهم قط { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي ضاق بمكانهم صدرُه أو قلبُه أو وسعُه وطاقتُه وهو كنايةٌ عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروهِ والاحتيال فيه، وقيل: ضاقت نفسُه عن هذا الحادثِ، وذِكرُ الذرعِ مثلٌ وهو المساحة، وكأنه قدْرُ البدنِ مجازاً أي إن بدنَه ضاق قدرُه من احتمال ما وقع، وقيل: الذراعُ اسمٌ للجارحة من المِرْفق إلى الأنامل، والذرْعُ مدُّها، ومعنى ضيقِ الذرع في قوله تعالى: { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قصرُها كما أن معنى سعتِها وبسطتها طولُها، ووجهُ التمثيلِ بذلك أن القصيرَ الذراعِ إذا مدها ليتناول ما يتناول الطويلُ الذراعِ تقاصر عنه وعجِز عن تعاطيه، فضُرب مثلاً للذي قصُرت طاقتُه دون بلوغِ الأمر { وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديدٌ، من عصَبه إذا شدّه.