Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

{ أُوْلَـٰئِكَ } المنعوتون بما ذكر من القبائح { ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } باشتراء عبادةِ الآلهةِ بعبادة الله عز سلطانُه { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتِها أو خسِروا ما بذلوا وضاع عنهم ما حصَلوا فلم يبقَ معهم سوى الحسرةِ والندامة { لاَ جَرَمَ } فيه ثلاثةُ أوجةٍ: (الأولُ) أن لا نافيةٌ لما سبق وجَرَم فعلٌ بمعنى حقَّ وأن مع ما في حيزه فاعلُه والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ { أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } وهذا مذهبُ سيبويه، (والثاني) جرَمَ بمعنى كسب وما بعده مفعولُه، وفاعلُه ما دل عليه الكلامُ أي كسب ذلك خُسرانَهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهورُ خُسرانِهم (والثالثُ) أن لا جرم بمعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وأياً ما كان فمعناه أنهم أخسرُ من كل خاسر فتبـين أنهم أظلمُ من كل ظالم، وهذه الآياتُ الكريمة كما ترى مقرِّرةٌ لما سبق من إنكار المماثلةِ بـين مَنْ كان على بـينة من ربه وبـين مَنْ كان يريد الحياةَ الدنيا أبلغَ تقريرٍ فإنهم حيث كانوا أظلمَ من كل ظالمٍ وأخسَر من كل خاسرٍ لم يُتصوَّرْ مماثلةٌ بـينهم وبـين أحدٍ من الظَّلَمةِ الأخسرين فما ظنُّك بالمماثلة بـينهم وبـين مَنْ هو في أعلى مدارجِ الكمالِ ولما ذُكر فريقُ الكفارِ وأعمالُهم وبـيّن مصيُرهم ومآلُهم شُرع في بـيان حالِ أضدادِهم أعني فريقَ المؤمنين وما يؤول إليه أمرُهم من العواقب الحميدةِ تكملةً لما سلف من محاسنهم المذكورة في قوله تعالى:أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [هود: 17] الآية، ليتبـينَ ما بـينهما من التباين البـيِّنِ حالاً ومآلاً فقيل: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي بكل ما يجب أن يؤمَن به فيندرج تحتَه ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبّر عنه بالكون على بـينة من الله وإنما يحصُل ذلك باستماع الوحي والتدبرِ فيه ومشاهدةِ ما يؤدِّي إلى ذلك في الأنفس والآفاقِ، أو فعلوا الإيمان كما في يُعطي ويمنع { وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضعِ من الخَبْت وهي الأرضُ المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخَبْت. وأنجدَ دخلَ في تِهامةَ ونجدٍ { أُوْلَـٰئِكَ } المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة { أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } دائمون وبعد بـيانِ تباينِ حاليهما عقلاً أريد بـيانُ تبايُنِهما حِساً فقيل: