Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (ت 885 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } * { فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ } * { وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } * { وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } * { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } * { وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }

ولما كان التقدير: فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف الخلق بالتوحيد الذي جئت به، وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده الأمم من جاه أو مال أو غير ذلك، فلا وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من التوحيد وغيره، ولا لمعاداتك فيه، عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم فقال مؤكداً أجل ما يعاندون به من إنكار الرسالة، وأتى بحرف التوقع لما اقتضاه من الأمر بسؤال الرسل عليهم الصلاة والسلام: { ولقد أرسلنا } أي بما ظهر من عظمتنا.

ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في الدنيا بما يراه أهلها كما قال هؤلاء { لولا نزل هذا القرآن } - الآية، قال مناقضاً لهم: { موسى } أي الذي كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله { بآياتنا } أي التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم، فدل ذلك على صحة دعواه وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة. ولما كان السياق لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن أمر التوحيد، كانت الآيات كافية، فلم يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة: { إلى فرعون } أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون: { وملأه } الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه { فقال } بسبب إرسالنا { إني رسول } وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة. ولما كان الإحسان سبباً للإذعان قال: { رب العالمين* } أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم.

ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بها ما فعلته قريش، قال مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم ومهدداً لهم تسبيباً عما تقديره: فقالوا له ائت بآية، فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس بياناً وحسناً: { فلما جاءهم بآياتنا } بالإتيان بآيتي اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع الآيات { إذا هم } أي بأجمعهم استهزاء برسولنا، وطال ما يضحك عليهم هو ومن آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة { منها يضحكون } أي فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء.

ولما كان ربما ظن ظان أن في الآيات ما يقبل شيئاً من ذلك، بين حالها سبحانه بقوله: { وما } أي والحال أنا ما { نريهم } على ما لنا من الجلال والعلو والكمال، وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال: { من آية إلا هي أكبر } أي في الرتبة { من أختها } أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسياً ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه، أو أن هذا كناية عن أنها كلها في نهاية العظمة كما قال شاعرهم:

السابقالتالي
2 3