Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (ت 885 هـ) مصنف و مدقق


{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } * { وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } * { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً }

ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعاني, المعجز المباني، الفائت لقوى المخاليق، المظهر لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال سبحانه وتعالى دالاً على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه: { أفلا يتدبرون } أي يتأملون، يقال: تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته وآخر أمره { القرآن } أي الجامع لكل ما يراد علمه من تمييز الحق من الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: وهذا دليل على وجوب تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على النظر والاستدلال.

ولما كان التقدير: فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه قوله: { ولو كان من عند غير الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار { لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً * } أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستوٍ عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلوق عاجز عن التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح.

ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحاً بالثاني وتلويحاً إلى الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه؛ ذكر أيضاً المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبيناً ما ان عليهم فقال: { وإذا جاءهم } أي هؤلاء المزلزلين { أمر من الأمن } من غير ثبت { أو الخوف } كذلك { أذاعوا } أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد { به } أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان: إن محمداً قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:

السابقالتالي
2 3 4