Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (ت 885 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ } * { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } * { مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة بالأموال والرجال قال: { وقارون } أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه { وفرعون وهامان } وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأساً في الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنباً لغيره.

ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب، فكان جديراً بالإنكار، إشارة إلى أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال: { ولقد جاءهم موسى بالبينات } أي التي لم تدع لبساً فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار { فاستكبروا } أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك { في الأرض } بعد مجيء موسى عليه الصلاة والسلام إليهم أكثر مما كانوا قبله.

ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوماً ممن يجهل ذلك قال: { وما كانوا } أي الذين ذكروا هذا كلهم، كوناً ما { سابقين* } أي فائتين ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك { فكلاً } أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلاًّ منهم { أخذنا } أي بما لنا من العظمة { بذنبه } أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا { فمنهم من أرسلنا عليه } إرسال عذاب يا له من عذاب! { حاصباً } أي ريحاً ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط { ومنهم من أخذته } أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتاً ليوقع في مصيبة التشبيه { الصيحة } التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود { ومنهم من } وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: { خسفنا به الأرض } بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته { ومنهم من أغرقنا } بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالحٌ للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فللّه درّ الناظرين في هذه الأوامر النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله { وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء } - الآية.

ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئاً مما اعتادوه في عنادهم قال: { وما كان الله } أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله { ليظلمهم } أي مريداً ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر يلحقه عز شأنه من إبقائهم { ولكن كانوا } أي هم لا غيرهم { أنفسهم } لا غيرها { يظلمون* } بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، فلم يقبلوا النصح مع عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ورجوا نصره لهم وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئاً فلم تختل سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، بل جرت على أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساج: { مثل الذين }.

السابقالتالي
2