Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (ت 885 هـ) مصنف و مدقق


{ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } * { وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت، وكان هذا مفهماً لأن من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع إلا نفسه، ومن لا يرج ذلك أعرض عن الله سبحانه منقلباً على جهه فلم يضر إلا نفسه، ترجم عن حال هذا الثاني العابد على حرف بقوله: { من كان يظن } أي ممن أصابته فتنة { أن لن ينصره الله } ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله { في الدنيا والآخرة } فأعرض عنه انقلاباً على وجهه فإنه لا يضر إلا نفسه وإن ظن أنه لا يضرها { فليمدد بسبب } أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له { إلى السماء } التي يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما.

ولما كان مده ذلك متعسراً أو متعذراً، عبر عما يتفرع عليه بأداة التراخي فقال: { ثم ليقطع } أي ليوجد منه وصل وقطع، أي ليبذل جهده في دفع القضاء والقدر عنه، وهي لام أمر عند من حركها بالكسر إفهاماً لشدة الحركة في المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل، وهم أبو عمرو وابن عامر وورش عن نافع ورويس عن يعقوب، أو أسكنها وهم الباقون { فلينظر } ببصره وبصيرته { هل يذهبن } وإن اجتهد { كيده ما يغيظ* } أي شيئاً يحصل له منه غيظ، أو يكون المعنى: فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلاً بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق، وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظاً - ونحو ذلك، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعاً صبر عليها كرهاً مع ما ناله من أسباب الشقاء.

ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية، في هذه الأساليب العلية، هذا البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه، بين أنه معجز أيضاً بنظمه، فقال: { وكذلك } أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان حكمها وإظهار أسرارها { أنزلناه } أي الكلام كله بما لنا من العظمة الباهرة { آيات بينات } معجزاً نظمها، كما كان معجزاً حكمها.

ولما كان الكلام بيناً في أن التقدير: ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن الله يضل من يريد، عطف عليه قوله: { وأن } أي وليعلم أن { الله } أي الموصوف بالإكرام، كما هو موصوف بالانتقام { يهدي } أي بآياته { من يريد* } أي لتبين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول: إذا كانت الآيات المرئية والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم المسببات عن أسبابها.

ولما كان ذلك موجباً للسؤال، عن حال الفريقين: المهدي والضال، أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويراً لذلك اليوم بأليق صورة، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال: { إن الذين ءامنوا } أي من أيّ فرقة كانوا، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان، الذي هو أدنى وجوه الإيمان { والذين هادوا } أي انتحلوا اليهودية، على أيّ حال كانوا من إيمان أو كفران.

السابقالتالي
2