Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير اللباب في علوم الكتاب/ ابن عادل (ت 880 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } * { هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }

لما شرح أحوالَ المؤمنين والكافرين، شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين، وأكد الزجر عن الركون إلى الكُفار، وهو مُتَّصل بما سبق من قوله:إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } [آل عمران: 100].

قوله: { مِّن دُونِكُمْ } يجوز أن يكون صفةً لـ " بِطَانَةً " ، فيتعلق بمحذوف، أي: كائنة من غيركم.

وقدره الزمخشريّ: من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون.

ويجوز أن يتعلق بفعل النهي، وجوَّز بعضُهم أن تكون " من " زائدة، والمعنى: دونكم في العمل والإيمان.

وبطانة الرجل: خاصَّته الذين يُبَاطنهم في الأمور، ولا يُظْهِر غيرَهم عليها، مشتقة من البطن، والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعارَ والدِّثار في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: " النَّاسُ دثار، والأنْصَارُ شِعَار ".

والشعَارُ: ما يلي الجسد من الثياب. ويقال: بَطَنَ فلانٌ بفلانٍ، بُطُوناً، وبِطَانة.

قال الشاعر: [الطويل].
1582- أولَئِكَ خُلْصَانِي، نَعَمْ وَبِطَانَتِي   وَهُمْ عَيْبَتِي مِنْ دُونِ كُلِّ قَرِيبِ
فالبطانة مصدر يُسمَّى به الواحد والجمع، وأصله من البطن، ومنه: بطانة الثوب غير ظهارته.

فإن قيل: قوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } نكرة في سياق النفي، فيقتضي العموم في النهي عن مصاحبة الكفار، وقد قال تعالى:لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ } [الممتحنة: 8] فكيف الجمع فيهما.

فالجواب: أن الخاص مقدَّم على العام.

قوله: { لاَ يَأْلُونَكُمْ } لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذَكَر علَّة النهي، وهي أمور:

أحدها: قوله: { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } يقال: ألا في الأمر، يَألُو فيه، أي: قصَّر - نحو غزا يغزو - فأصله أن يتعدى بحرف الجر كما ترى. واختلف في نصب " خَبَالاً " على وجوه:

أحدها: أنه مفعول ثانٍ، وإنما تعدَّى لاثنين؛ للتضمين.

قال الزمخشري: يقال: ألا في الأمر، يألو فيه - أي: قصَّر - ثم استُعْمِل مُعَدًّى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نُصْحاً، ولا آلوك جُهْداً، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نُصْحاً ولا أنقُصُكَهُ.

الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض، والأصل: لا يألونكم في خبال، أو في تخبيلكم، أو بالخبال، كما يقال: أوجعته ضرباً، وهذا غير منقاسٍ، بخلاف التضمين؛ فإنه ينقاس، وإن كان فيه خلافٌ واهٍ.

الثالث: أن ينتصب على التمييز، وهو - حينئذ - تمييز منقول من المفعولية، والأصل: لا يألون خبالكم، أي: في خبالكم، ثم جعل الضمير - المضاف إليه - مفعولاً بعد إسقاط الخافض فنُصِبَ الخبال - الذي كان مضافاً - تمييزاً، ومثله قوله:وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً } [القمر: 12] على أن " عُيُوناً " بدل بعض من كل، وفيه حذف العائد، أي: عيوناً منها، وعلى هذا التخريج، يجوز أن يكون " خَبَالاً " يدل اشتمال من " كم " والضمير أيضاً محذوف أي: " خبالاً منكم " وهذا وَجْه رابع.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8