Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير اللباب في علوم الكتاب/ ابن عادل (ت 880 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } * { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } * { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }

قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } الآية. قال بعض أهل العلم " إنَّ " ههنا بمعنى (إلا) أي: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى.

قال ابن الخطيب: قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا أنَّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن وارداً، فلم يبق إلا أحد أمرين:

الأول: أن يقال: إنَّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين.

الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير - عليهم السلام - داخلين فيها، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومَنْ قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله: " إنَّ الَّذِينَ " بهؤلاء فقط.

قوله: " مِنَّا " يجوز أن يتعلق بـ " سَبَقَتْ " ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " الحُسْنَى " قال الزمخشري: " الحُسْنَى " الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة ثم شرح أحوال ثوابهم فقال: { أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }. قال أهل العفو معناه: أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين:

الأول: قولهوَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [مريم: 71] أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج.

والثاني: أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال.

وقال المعتزلة: { أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور:

أحدها: أنَّ قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا حال من يخرج من النار.

وثانيها: أنه تعالى قال: { أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } فكيف يدخل في لك من وقع فيها.

وثالثها: قوله: { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } وقوله: { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُُ } يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد من " الحُسْنَى " تقدم الوعد بالثواب، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة باطلة، ويجوز الجميع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا بينا أنّ قوله: { أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث: أن قوله: { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } مخصوص بما بعد الخروج.

السابقالتالي
2