الرئيسية - التفاسير


* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } * { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ } * { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

وقوله سبحانه: { وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ... } الآية: " هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ، قال الحسن: وفي مُعَتِّبِ بنِ قُشَيرٍ معه، وٱختصارُ ما ذكره الطبريُّ وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ٱدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: « قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تُطِيقُهُ » فَعَاوَدَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ » فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فٱتَخَذَ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ؛ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رَأْيي، فلما أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأَخْبَروه، قال:« وَيْح ثَعْلَبَة »ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال: « إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ » " ، فبقي كذلك حَتَّى تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلُّهم رَدَّ ذلك وأباه؛ ٱقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان.

وفي قوله تعالى: { فَأَعْقَبَهُمْ }: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه.

وقوله: { إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ }: يقتضي موافاتَهُمْ على النِّفَاق، قال ابنُ العربيِّ: في ضمير { يَلْقَوْنَهُ } قولان:

أحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه تعالى.

والثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً؛ على تقدير الجَزَاءِ؛ كأنه قال: فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ. انتهى من «الأحكام».

و { يَلْمِزُونَ }: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نُرُولِ الآية أَنَّ عبد الرحمٰن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها.

وقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ؛ قاله كعب بن مالك.

السابقالتالي
2