Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } * { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

وقوله سبحانه: { إِنَّمَا ٱلنَّسِيءُ } ، يعني: فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ، { زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ } ، أي: جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ؛ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ: [الوافر]
وَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي   كِرَامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ   شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا
وقوله سبحانه: { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } ، معناه: عاماً من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولةً.

وقوله سبحانه: { لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } ، معناه: ليوافقُوا، والمواطَأَةُ: الموافَقَةُ.

وقوله سبحانه: { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } ، هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتاباً على تخلُّف من تخلَّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله: «أثاقلتم» أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش وهو نحو قوله:أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } [الأعراف:176] وقوله: { أَرَضِيتُم } تقريرٌ، والمعنى: أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، عَلى حظيرِ الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد.

قَالَ ابنُ هِشامٍ فـــ «مِنْ» من قوله: { مِنَ ٱلأَخِرَةِ } للبدل. انتهى. ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي.

* ت *: وفي «صحيح مُسْلم» و«الترمذيِّ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ " قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.

وقوله سبحانه: { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ }: شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ «العذاب» عامٌّ يدخل تخته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة.

وقوله: { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ }: تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند ٱستنفارِهِ إِياهم، والضميرُ في قوله: { وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } عائدٌ على اللَّه عز وجل، ويحتملُ أنُ يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو أَلْيَقُ.