Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } * { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ } * { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }

وقوله عز وجل: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ... } الآية: خطابٌ للمؤمنين؛ كقوله:أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ... } الآية [آل عمران:142] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله: { وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ } ، أي: لم يعلم اللَّه ذلك موْجُوداً؛ كما عَلِمَهُ أَزلاً بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علْم تبارك وتعالى عن ذلك، و { وَلِيجَةً }: معناه: بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى: أَمْراً باطناً مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين ٱتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر: قال أبو عُبَيْدَة: كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال: هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع. انتهى.

وقوله سبحانه: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ } ، إِلى قوله: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ... } الآية، لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ؛ أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فٱشْهَدُوا لَهُ بالإِيمان ". * ت *: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: « فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }. انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عَنْه صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ " خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضاً في هذا «المسند»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ " انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ»، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ»: أي يفرح به.

وقوله سبحانه: { وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلِّه قضاءَ اللَّهِ وتصريفَهُ.