Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ } * { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ }

وقوله سبحانه: { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ }: المعنَىٰ: لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ؛ علَى التأويل الآخر، لقُضِيَ الأمر، أي: لَوَقَع الٱنفصالُ، وتَمَّ النزاعُ؛ لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ؛ بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ: المعنَىٰ: لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله: { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ }: يتضمَّن الوعيدَ والتَّهْديدَ.

وقوله تعالى: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }: مفَاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه ٱستعارةٌ؛ عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب؛ كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى المُغَيَّب، ولو كان جَمْعَ «مِفْتَاحٍ»، لقال: مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضاً أنَّ «مَفَاتِح» جمْعُ «مَفْتَح» ـــ بفتح الميم ـــ، أي: مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات؛ ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره: { مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }: خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح ـــ بالكسر ـــ، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ: وَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان:إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ... } [لقمان:34] الآية، قلت: وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ، عَنْ أبيه؛ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ: { إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [لقمان:34] " انتهى.

وقوله سبحانه: { مِن وَرَقَةٍ } ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، { وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ } ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكَىٰ بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ علَىٰ طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه.

وقوله تعالى: { إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } ، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه ٱمتحانُ ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه؛ ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: { إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ }: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ.

قال الفَخْرُ: وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالَىٰ ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة؛ تنبيهاً للمكلَّفين علَىٰ أمر الحساب. انتهى.

قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ.

وقيل: المعنَىٰ في كَتْبِها؛ أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ ــــ مكتوبٌ؛ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقابٌ. انتهى من «الهداية».