Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } * { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } * { إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ } * { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

وقوله تعالى: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً... } الآية: ٱتْلُ: معناه: ٱسْرُدْ وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل. قال الفَخْر: وفي الآية قولان:

أحدهما: ٱتْلُ على الناس.

والثاني: ٱتْلُ على أهْلِ الكتابِ. انتهى.

و { ٱبْنَيْ ءَادَمَ }: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود؛ أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثَىٰ، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توأمتُهُ، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ؛ فحينئذٍ: { قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ } ، وقولُ هابيلَ: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟! وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالَىٰ عقْلاً.

قلتُ:

قال * ع *: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع)، وأما في هذه الآية، فليس بٱتِّقَاءِ شرك؛ على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ... } الآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج، وهذا هو الأظهر.

قال * ع *: ومن هنا يقوَىٰ أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر؛ لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرُّج هنا وجهٌ، و { تَبُوَأ }: معناه: تمضِي متحمِّلاً، وقوله: { بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ }: قيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويلٌ يَعْضُدُه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: " يُؤْتَىٰ بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حَتَّىٰ يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ المَظْلوم، فتُطْرح عليه ". وقوله: { وَذَلِكَ جَزَٰؤُاْ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل: أن يكون إخباراً من اللَّه تعالَىٰ لمحمَّدـــ عليه السلام ـــ، قال الفَخْر: وقوله تعالى: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه. انتهى.

وقوله سبحانه: { فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب؛ ومنه: [المنسرح]
أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح   ................البَيْتَ
وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي، إلى غير ذلك مِن ٱستعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: " مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ٱبْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا " ؛ وذلك لأنه أول مَنْ سَنَّ القتل.