Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } * { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } * { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ } * { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } * { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ } * { وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ }

وقوله: { أَنْ أَدُّواْ } مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول: أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله: { عِبَادَ ٱللَّهِ } ، وقال ابن عباس: المعنى: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدَّىٰ هي الطاعة، والظاهر من شرع موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ أَنَّهُ بُعِثَ إلَىٰ دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل وقوله بعد: { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ } كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط.

وقوله: { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ... } الآية: المعنى: كانت رسالته، وقوله: { أَنْ أَدُّواْ } { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ } أيْ: على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعُلُوِّ عن الطغيان والعُتُوِّ، و { أَن تَرْجُمُونِ } معناه: الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل؛ قاله قتادة وغيره، وقيل: أراد الرجم بالقول، والأول أظهر؛ لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر.

* قلت *: وعن ابن عمر قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " مَنِ ٱسْتَعَاذَ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ ٱسْتَجَارَ باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أَتَىٰ إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فَٱدْعُوا لَهُ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ " ، رواه أبو داود، والنسائيُّ والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما»، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ ـــ يعني البخاريَّ ومسلماً ـــ اهـــ من «السلاح».

وقوله: { فَٱعْتَزِلُونِ } متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة: أراد خَلُّوا سَبِيلِي.

وقوله: { فَدَعَا رَبَّهُ } قبله محذوفٌ، تقديرُهُ: فما أجابوه لِمَا طُلِبَ منهم.

وقوله: { فَأَسْرِ } قبله محذوفٌ، أي: قَالَ اللَّهُ له فَأَسْرِ بِعبادِي، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: السُّرَىٰ: سَيْرُ الليل، و«الإدْلاَجُ» سَيْرُ السَّحَرِ، و«التَّأْوِيبُ»: سير النهار، ويقال: سَرَىٰ وأَسْرَىٰ انتهى.

انتهى، واخْتُلِفَ في قوله تعالى: { وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً } متى قالها لموسى؟ فقالت فرقة: هو كلامٌ مُتَّصِلٌ بما قبله، وقال قتادَةُ وغيره: خُوطِبَ به بعد ما جاز البحر، وذلك أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يضرب البَحْر؛ ليلتئم؛ خَشْيَةَ أَنْ يدخل فرعونُ وجنودُهُ وراءَهُ، و { رَهْواً } معناه: ساكناً كما جُزْتَهُ، قاله ابن عباس، وهذا القول هو الذي تؤيِّده اللغَةُ؛ ومنه قول القُطَامِيِّ: [البسيط]
يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَاذِلَة   وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ
ومنه: [البسيط]
وَأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْواً إلَىٰ عِيد   ..........................
أي: خرجوا في سُكُونٍ وَتمَهُّلٍ.

فقيل لموسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ: ٱتْرُكِ البَحْرَ سَاكِناً على حاله من الانفراق؛ ليقضي اللَّه أمراً كان مفعولاً.