Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ }

وقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا... } الآية، المعنى: وبهذه الطرق، ومن هذا الجنس أوحينا إليك، أي: بالرسول، و«الرُّوحُ» في هذه الآية: القرآن آن وهدى الشريعة، سَمَّاه رُوحاً من حيث يُحْيي به البَشَرَ والعَالَم؛ كَما يُحْيِي الجسدَ بالروح، فهذا على جهة التشبيه.

وقوله تعالى: { مِّنْ أَمْرِنَا } أي: واحد من أُمورنا، ويحتمل أَنْ يكون الأمر بمعنى الكلام، { وَمِنْ } لابتداء الغاية.

وقوله تعالى: { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } توقيفٌ علَىٰ مِقْدَارِ النعمةِ، والضميرُ في { جَعَلْنَـٰهُ } عائدٌ على الكتابِ، و { نَّهْدِى } بمعنى: نُرْشِدُ، وقرأ جمهور الناس: «وإنَّكَ لَتَهْدِي» ـــ بفتح التاء وكسر الدال ـــ، وقرأ حَوْشَبٌ: «لَتُهْدَىٰ» ـــ بضم التاء وفتح الدال ـــ، وقرأ عاصم: «لَتُهْدِي» ـــ بضم التاء وكسر الدال ـــ.

وقوله: { صِرٰطِ ٱللَّهِ } يعني: صراط شرع اللَّه، ثم استفتح سبحانه القَوْلَ في الإخبار بصيرورة الأمور إليه سبحانه؛ مبالغةً وتحقيقاً وتثبيتاً، فقال: { أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلاْمُورُ } قال الشيخُ العارفُ باللَّه أبو الحسن الشاذليُّ رحمه اللَّه: إنْ أردتَ أَنْ تغلب الشَّرَّ كُلَّه، وتلحق الخيرَ كُلَّه، ولا يَسْبِقَكَ سَابِق، وإنْ عمل ما عمل ـــ فقل: يا مَنْ له الخَيْرُ كُلُّهُ، أسألك الخيرَ كُلَّه، وأعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه، فإنَّك أنت اللَّه الغَنِيُّ الغفُورُ الرَّحِيم، أَسْأَلُكَ بالهادِي محمد صلى الله عليه وسلم إلَىٰ صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ اللَّهِ الذي له ما في السَّمٰوَاتِ وما في الأرض، أَلاَ إلى اللَّه تصيرُ الأمور، اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَةً تَشْرَحُ بها صَدْرِي، وتَضَعُ بها وِزْرِي، وترفعُ بها ذِكْرِي، وتُيَسِّرَ بها أمري، وتُنَزِّهَ بها فكري، وتُقَدِّسَ بها سِرِّي، وتكشفَ بها ضُرِّي، وترفَعَ بها قَدْرِي؛ إنَّك على كُلِّ شَيْءٍ قدير، اهـــ.

* قلت *: قوله تعالى: { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ }: هذا بَيِّنٌ، وقوله: { وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ }: فيه تأويلات: قيل معناه: ولا شرائع الإيمان ومعالمَه؛ قال أبو العالية: يعني: الدعوةَ إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفَضْل: يعني أهل الإيمان، مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، وقال ابن خُزَيْمَةَ: الإيمان هنا الصلاة؛ دليله:وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } [البقرة:143] قال ابن أبي الجَعْدِ وغيره: احترق مُصْحَفٌ فلم يبقَ منه إلاَّ: { أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } وغَرِقَ مصحفٌ فامحى كُلُّه إلاَّ قولَه: { أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } نقله الثعلبيُّ وغيره، انتهى.

قال العبد الفقير إلى اللَّه تعالى، عبدُ الرحمن بْنُ محمَّدِ بنِ مَخْلُوفٍ الثَّعَالِبيُّ، لَطَفَ اللَّه به في الدَّارَيْنِ: قد يَسَّر اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في تحرير هذا المختَصَر، وقد أودعتُهُ بحمد اللَّه جزيلاً من الدُّرُر، قد استوعبتُ فيه بحمد اللَّه مُهِمَّاتِ ابْنِ عطيَّةَ، وزدته فوائدَ جليلةً من غيره، وليس الخَبَرُ كالْعِيَانِ، تَوَخَّيْتُ فيه بحمد اللَّه الصَّوَاب؛ وجعلته ذخيرةً عند اللَّه لِيَوْمِ المآبِ، لا يَسْتَغْنِي عنه المُنْتَهِي؛ وفيه كفايةٌ للْمُبَتِدي، يستغني به عن المُطَوَّلاَت؛ إذْ قد حَصَّل منها لُبَابَهَا؛ وكَشَفَ عن الحقائقِ حِجَابَهَا.

السابقالتالي
2