Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً } * { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً }

وقوله تعالى: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ... } الآية: قال قتادة سَأَلَتِ اليهودُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يأتيهم بكتابٍ مِنْ عند اللَّه خاصٍّ لليهودِ، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ، وزاد: «إلَىٰ فلان، وإلَىٰ فلانٍ أَنَّكَ رسُولُ اللَّهِ»، ثم قال سبحانه؛ علَىٰ جهة التسليَةِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: { فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ } ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه المذكورُ، تقديره: فلا تُبَالِ، يا محمد، مِنْ سؤالِهِمْ وتَشَطُّطهم؛ فإنها عادتهم، وجمهورُ المتأوِّلين علَىٰ أنَّ { جَهْرَةً } معمولٌ لـ { أَرِنَا } ، أيْ: حتى نراه جهاراً، أي: عياناً، وأهلُ السُّنَّة معتقدون أنَّ هؤلاءِ لم يسألوا مُحَالاً عَقْلاً، لكنَّه محالٌ من جهة الشَّرْع؛ إذ قد أخبر تعالَىٰ علَىٰ ألسنَةِ أنبيائه أنَّهُ لاَ يُرَىٰ سبحانه في هذه الدنيا، والرؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثَابِتَةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالخَبَرِ المُتَواتِرِ، وهي جائزةٌ عقْلاً من غير تحديدٍ، ولا تكييفَ ولا تحيُّز؛ كما هو تعالَىٰ معلومٌ لا كالمعلومات؛ كذلك هو مرئيٌّ، لا كالمرئيَّات سبحانه؛ هذه حُجَّة أهل السنة، وقولُهم، وقد تقدَّم قصص القَوْم في «البقرة»، وظلمهم: هو تعنُّتهم وسؤَالُهم ما لَيْسَ لهم أنْ يسألوه.

وقوله تعالى: { ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ }: «ثُمَّ»: للترتيب في الأخبار، لا في نَفْس الأمرِ، التقديرُ؛ ثم قَدْ كان مِنْ أمْرِهِمْ أَن اتَّخذُوا العِجْلَ، وذلك أنَّ اتخاذَ العِجْلِ كان عند أمْرِ المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ.

وقوله سبحانه: { فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ } ، يعني: بما ٱمْتَحَنَهُمْ به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم.