الرئيسية - التفاسير


* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } * { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } * { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }

وقوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ... } الآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً }؛ لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلَىٰ هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالَىٰ: { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين والمُخْلِصِينَ، بل المعنَىٰ: يأيها الذين أظهروا الإيمان، وٱلْتَزَمُوا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة.

ثم أخبر تعالَىٰ عن المنافقين؛ أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم؛ وذلك لأنهم أسْرَىٰ غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّناً مِنْ أَذَى المُسْلمين؛ قُلْتُ: وأيضاً لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما جَعَلَ اللَّه علَىٰ يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما؛ أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ عليهم، ثم استثنَىٰ عَزَّ وجلَّ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ؛ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة.

وقال * ص *: { فَأُوْلَـٰئِكَ }: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين؛ قاله أبو البَقَاء. انتهى.

ثم قال سبحانه للمنافقين: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ... } الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟! قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ؛ أنَّ قوله تعالَىٰ: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ }: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له علَىٰ ذلك دليلٌ يقطَعُ به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع ٱحتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ. انتهى، وهو حَسَنٌ؛ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ.

والعَجَب من * ع *: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر ـــ واللَّه أعلم ـــ أنهما عَوَّلا في تخصيصِ الآيةِ علَىٰ قوله تعالى: { وَءَامَنتُمْ } ، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين علَىٰ ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين علَىٰ معنى: «دُمْتُمْ علَىٰ إيمانكم»، واللَّه أعلم.

والشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً علَىٰ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً }: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه؛ فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلاً، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ»؛ لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: { عَلِيماً }: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص.