Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }

وقوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً... } الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين. وخص الوجه؛ لأنه جامع حواس الإنسان؛ ولشرفه. و { فِطْرَتَ ٱللَّهِ } نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره اتبع أو التزم فطرة اللّه، واختُلِفَ في الفطرة ها هنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات اللّه، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه؛ ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة اللّه الذي على الإعداد له. فُطِرَ البشرِ؛ لكن تعرضهم العوارضُ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ... " الحديث ـــ، ثم يقول: { فِطْرَتَ ٱللَّهِ } الآية، إلى { ٱلْقَيِّمُ } فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ. وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللّهِ: هِيَ الإسْلاَمُ، انتهى.

وقوله تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة؛ اعترض به أثناء الكلام؛ كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرةَ قد خَلَقَ اللّه لهم الكُفْرَ، و { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } أي: لدين اللّه، وخُلُق الأولين دينُهم. انتهى. و { القَيِّم } بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، و { مُنِيبِينَ } يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله { فَطَرَ ٱلنَّاسَ } لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالاً من قوله { أَقِم وَجْهَكَ } وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته نظيرها قوله تعالى:يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَاء } [الطـلاق:1]. والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى؛ قاله قتادة، وقيل غير هذا.