Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } * { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ } * { قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } * { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ }

وقوله تعالى: { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَاءٍ... } الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية. وقوله: { عَلَى ٱسْتِحْيَاءٍ } أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها؛ قاله عمر بن الخطاب ـــ رضي اللّه عنه ـــ. ورَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هريرةَ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " الْحَيَاءُ مِنَ الإيمَانُ فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ؛ والجَفَاءُ فِي النَّارِ " قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ انتهى.

والجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى ـــ عليه السلامُ ـــ هو شُعَيْبُ عليه السلام وأن المرأتينْ ابنتَاه. فـ { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ... } الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى عليه السلام من النظر إليها فقال امشي خلفي وأرشديني إلى الطرق فَفَهِمَتْ عَنْهُ؛ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ؛ قاله ابن عباس. { فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ } فآنسَه بقَولهِ: { لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتيْنِ { يَٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ } فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟ قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ... } الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» قوله: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ؛ لأنه لو كان عَقْداً، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا؛ لأن العلماءَ وإنْ اخْتَلَفُوا في جوازِ البيعِ، إذَ قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ؛ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ. ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟ قال: الصغرى، انتهى. «وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطاً وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى؛ وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمانِ حججٍ، و { أيما } استفهامٌ نُصِبَ بـ { قَضَيْتَ } و «ما» صلةٌ للتَّأكِيد و «لا عدوان» لاتِبَاعَةَ عَلَيَّ، و «الوكيل»: الشَّاهدُ القائمُ بالأمر.