Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } * { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } * { وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ } * { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ }

قوله سبحانه: { قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } أخبر اللّه سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم نالوا البُغْيَةَ، وأحرزوا البقاءَ الدائم.

قلت: وعن عُمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: " كان رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ صلى الله عليه وسلم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْماً، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرُنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأرْضِنَا وَٱرْضَ عَنَّا " ، ثُمَّ قَالَ: " أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ " ، ثُمَّ قَرَأَ: { قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } حتى ختم عشر آيات؛ رواه الترمذي واللفظ له والنسائيُّ والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «سلاح المؤمن».

قلت: وقد نَصَّ بعض أئمتنا على وجوب الخشوع في الصلاة، قال الغزاليُّ رحمه اللّه: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات؛ لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك عن معاني قراءتك فهو وسواس؛ فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة؛ بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء».

وروي عن مجاهد: أَنَّ اللّه تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: { قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة؛ لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً؛ فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون بصرٍ المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، و { ٱللَّغْوِ }: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أي: يُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة.

{ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ } ذهب الطبريُّ وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل؛ كما قال تعالى:خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْماً } [الكهف:81].