Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } * { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } * { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } * { ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلَٰوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ }

وقوله سبحانه: { ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } التقدير في هذا الموضع: الأمر ذلك، و { الشعائر } جمع شعيرة وهي كُلُّ شيء للّه عز وجل فيه أمر أشعر به وأعلم.

قال الشيخ ابن أبي جمرة: { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } قال تعظيمُ شعائِرِ اللّهِ، كان من البقع أو من البشر أو مِمَّنْ شاء اللّه تعالى ـــ زيادَةٌ في الإيمان وقوة في اليقين. انتهى.

وقال العراقي في أرجوزته: [الرجز]
أَعْلاَمُ طَاعَةٍ هِيَ الشَّعَائِر   .........................
البيت.

وقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهَدْيُ والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس وغيرُه، ثم اخْتَلَفَ المتأوِّلُون في قوله سبحانه: { لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ... } الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أنَّ للناس في أنعامهم منافِعَ من الصُّوف، واللَّبَن، والذبح للأكل، وغيرِ ذلك ما لم يبعثها رَبُّها هدياً، فَإذا بعثها فهو الأجل المُسَمَّى، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي المبعوثِ منافِعُ، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها، وتكون «ثم» من قوله: { ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } لترتيب المحل؛ لأَنَّ المَحِلَّ قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم مَحِلَّها إلى موضع النحر، وذكر البيت؛ لأنَّه أشرفُ الحرم، وهو المقصود بالهدي وغيره.

وقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضِعُ الحج كُلُّها ومعالمه بمنى، وَعَرَفَةَ، والمزدلفة، والصَّفَا والمروة، والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أَنَّ البُدنَ من الشعائر، والمنافِعُ: التجارة وطلب الرزق أوِ الأجر والمغفرة، والأجل المُسَمَّى: الرجوعُ إلى مكة لطواف الإفاضة، ومَحِلُّها مأخوذٌ من إحلال المحرم، والمعنى: ثم أُخِّروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيتُ على هذا التأويل مُرَادٌ بنفسه، قاله مالك في «الموطإ».

* ت * وأظهرُ هذه التأويلات عندي تأويلُ عطاءٍ، وفي الثالث بعضُ تكلُّفٍ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أُمة من الأُمم المؤمنة منسكاً، أي: موضعَ نُسُكٍ وعبادة، هذا على أَنَّ المنسك ظرف، ويحتملُ أَنْ يريد به المصدر كأنه قال: عبادة، والناسِكِ العابد.

وقال مجاهد: سُنَّةً في هراقة دماء الذبائح.

وقوله: { لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ } معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر اللّه، وأن يكون الذبح له؛ لأَنَّهُ رازق ذلك، وقوله: { فَلَهُ أَسْلِمُواْ } أي: آمنوا، ويحتمل أَنْ يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه نَبيَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَشِّرَ بشارةً على الإطلاق، وهي أبلغ من المفسرة؛ لأنها مُرْسَلَةٌ مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأَرض، والمُخْبِتُ المتواضع الذي مَشْيُهُ متطامن كأنه في حدورٍ من الأرض، وقال عمرو بن أوس: المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال * ع *: وهذا مثال شريف من خُلُقِ المؤمن الهيّنِ الليِّنِ، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر اللّهِ تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوفِ والوَجَلِ عند ذكر اللّه تعالى، وذلك لِقُوَّةِ يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه جلَّ وعلا، ووَصَفَهُم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، ورُوِيَ: أَنَّ هذه الآية قوله: { وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ (رضي اللّه عنهم أجمعين).