Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } * { قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ } * { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ } * { فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي } * { قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ } * { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ } * { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } * { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي } * { قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } * { قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ } * { أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } * { قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } * { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ } * { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } * { قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً } * { إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }

وقولهُ سبحانه: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } الآيةَ، وقصص هذه الآية: أَن موسى عليه السلام لمَّا شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور؛ حيث كان الموعدُ أن يكلم اللّهُ موسىٰ بما لهم فيه شرفُ العاجل والآجل ـــ رأَىٰ موسى عليه السلام على جهة الاجْتِهَاد أن يتقدم وحدَهُ مُبادراً لأمر اللّه سبحانه؛ طلباً لرضائه، وحرصاً على القرب منه، وشوقاً إلى مُناجاته، وٱستخلف عليهم هارونَ، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما ٱنتهى موسى صلى الله عليه وسلم وناجى ربَّه، زاده اللّهُ في الأجل عشراً، وحينئذٍ وقفه على معنى ٱستعجاله دون القوم؛ ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقَعَ الإعلامُ له بما صنعوا، وأعلمه موسى أنه إنما ٱستعجل طلب الرضى، فأعلمه اللّهُ سبحانه: أنه قد فتن بني إسرائيل، أي: ٱختبرهم بما صنع السَّامِرِيّ، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في فتنة، فلما أخبر اللّه تعالى مُوسَى بما وقع، رجع موسىٰ إلى قومه غَضْبَانَ أَسِفَا، وباقي الآية بيّن، وقد تقدّم قصصُها مستوفًى؛ وسمّى العذاب غضباً من حيْثُ هو عن الغضب.

وقرأ نافعٌ، وعَاصِمٌ: «بِمَلْكِنَا» بفتح الميم، وقرأ حمزةُ الكِسَائِيُّ: «بِمُلْكنا» بضمة، وقرأ ٱبْنُ كَثِير، وأَبُو عَمْرٍ، وَٱبْنُ عَامرٍ: «بِمِلْكِنَا» بكسرة؛ فأما فتحُ الميم، فهو مصدرٌ من ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقْنا له، بل غلبتنا أنفُسُنا.

وأَما كسرُ المِيم، فقد كثر ٱستعماله فيما تحوزه اليدُ، ولكنه يستعمل في الأمور الَّتي يُبْرمها الإِنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدرُ مضافٌ في الوجهين إلى الفاعل.

وقولهم: { وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً... } الآية؛ سموها أوزاراً من حيث هي ثَقِيلة الأجرام، أو من حيثُ تأَثَّموا في قذفها، وقرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ: «حَمَلْنَا» بفتح الحاء، والميم.

وقولهم: { فَكَذَلِكَ } أيْ: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضاً ألقى السامري.

قال * ع *: وهذه الألفاظُ تقتضى أنَّ العِجْل لم يَصُغْهُ، ثم أخبر تعالى عن فِعْل السامري بقوله: { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً } ومعنى قوله { جَسَداً } أَي شخصاً لا رُوحَ فيه، وقيل معناه، جسداً لا يتغذى، «والخُوَارُ»: صوت البقر.

قالت فرقةٌ منهم ٱبن عباس: كان هذا العجلُ يخُورُ ويمشي، وقيل غير هذا.

وقوله سبحانه: { فَقَالُوا } يعني: بني إسرائيل: { هَذَا إلَٰهُكُمْ وَإلٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ } موسى إلٰهه، وذهب يطلبه في غَيْرِ موضعِه، ويحتمل أن يكون قوله { فَنَسِيَ } إخباراً من اللّه تعالى عن السَّامِرِيُّ؛ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنِّسْيَانُ في التأوِيل الأول بمعنى الذهُول، وفي الثَّانِي بمعنى الترك.

* ت *: وعلى التّأويل الأول عوَّلَ البخاريُّ: وهو الظَّاهر.

ولقولهم أيضاً قبل ذلك:ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهاً } [الأعراف:138].

وقول هَارُون: { فَٱتَّبِعُونِي } أي: إلى الطور الَّذي واعدكم اللّهُ تعالى إليه { وَأَطِيعُوا أَمْرِي } فيما ذكرتُه لكم؛ فقال بنو إسرائيل حين وَعَظهم هارونُ، وندبَهُم إلى الحق: { لَنْ نَبْرَحَ } عابدين لهذا الإلَه عَاكِفِين عليه، أي: مُلاَزِمين له.

السابقالتالي
2