Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } * { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }

وقوله تعالى: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ.. } الآية " «مَن»: ٱستفهامٌ، والمعنَىٰ: ومَنْ يزهد فيها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، وٱصطَفَىٰ من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصْفَىٰ، ومعنى هذا الاِصطفاءِ؛ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً.

{ وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام علَىٰ حذف مضافٍ، { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } كان هذا القول من اللَّه تعالَىٰ حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس؛ والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي { أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ؛ لأنه أقرب مذكور.

{ وَيَعْقُوبُ }: قيل: عطْفٌ على { إِبْرَاهِيمَ } ، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: { يَا بَنِيَّ } ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بَنِيَّ.

و { ٱصْطَفَى } هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان.

وقوله: { فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتَىٰ بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متَىٰ، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً.

وقوله تعالى: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ } هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين ٱنْتَحَلُوا الأنبياءَ - صلوات اللَّه عليهم - ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصَىٰ، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم»: للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، و { شُهَدَاءَ }: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية؛ حضر يعقوبَ مقدِّماتُ الموت.

و { مِن بَعْدِي } ، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ.

" وقد أطلق النبيُّ صلى الله عليه وسلم على العَبَّاس ٱسْمَ الأب، فقال: «هذا بقية آبائي»، وقال: «رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي» " الحَدِيثَ، وقال: " أَنَا ٱبْنُ الذِّبِيحَيْنِ " ، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ.

* ت *: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل علَىٰ ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء اللَّه تعالى.