Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } * { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } * { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً }

قوله: عز وجل: { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ } المعنى: قال اللّهُ له: يا يَحْيَىٰ خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: { بِقُوَّةٍ } أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.

وقوله: { صَبِيّاً } يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.

وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يَحْيَىٰ إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه اللّهُ عز وجل وهو صَبِيٌّ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً. «والحنان»: الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة؛ قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة؛ ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة: [الطويل]
أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فَٱستَبِقِ بَعْضَنَا   حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وقال عطاء بن أبي رباح: «حَنَاناً مِنْ لَدُنَّا» بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا.

قال * ع *: وهو أَيضاً ما عظم من الأَمر لأَجل اللّه عز وجل ومنه قولُ زيدِ بن عَمْر بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللّهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً.

قال * ص *: قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى. انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.

قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة. { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة، ولا كبيرة والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أَخلاقه.

وقوله: { وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } قال الطَّبرِيُّ، وغيرُه: معناه وأَمانٌ عليه.

قال * ع *: والأَظهرُ عندي: أَنها التّحيةُ المتعارفة، فهي أَشرف، وأَنبه من الأَمان؛ لأَن الأَمان متحصَّلٌ له بنفي العِصْيان عنه، وهو أَقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن سلم اللّهُ عليه، وحيَّاه في المواطن الَّتي الإنسان فيها في غاية الضعْفِ، والحاجةِ، وقلَّةِ الحيلة.

{ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ } ، الكتاب: هو القُرْآنُ والاِنْتباذ: التنحِّي.

قال السُّدِّيُّ: انتبذت؛ لتطهر من حيض، وقال غيره: لتعبد اللّه عز وجل.

قال * ع *: وهذا أحْسن.

وقوله: { شَرْقِيّاً } يريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا يعظمون جهة المَشْرق؛ قاله الطبري.

وقال بعضُ المفسرين: اتخذت المكانَ بشرقي المحرابَ.