Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } * { قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ } * { قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } * { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }

وقوله تعالى: { قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ }: روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ؛ فلذلك قالوا: { لَقَدْ عَلِمْتُم }؛ أي: لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ ٱشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ؛ فلذلك قالوا: { لَقَدْ عَلِمْتُم } ، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا ٱلاسم.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قال الطبري: قوله تعالى: { قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ } على حذف مضافٍ، تقديره: جزاؤه استعبادُ و ٱسترقاقُ مَنْ وَجَدَ في رَحْله. انتهى.

وقولهم: { كَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }: أي: هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة؛ أنْ يتملَّك السارق؛ كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق.

وقوله سبحانه: { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ... } الآية: بدؤه أيضاً من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره؛ لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في ٱعتقادِ النَّاس كَيْدٌ، وقال السُّدِّيُّ والضَّحَّاك: { كِدْنَا }: معناه: صَنَعْنَا، و { دِينِ ٱلْمَلِكِ }: فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: { كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ } ، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى ٱسترقاقَ السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ. { إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ }: ٱلتزامُ الإِخوة لدين يعقوبَ بٱلاسترقاقِ، فَقَضَى عليهم به، انتهى.

قال * ع *: وٱلاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم؛ أنه قال في قَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ: { نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاءُ }: قال: بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم».

وقوله سبحانه: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } ، المعنى: أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه عزَّ وجلَّ، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس وروي أيضاً عن ابن عبَّاس: إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل ذي علم.

قال ابن عطاء في «التنوير»: ٱعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتاب العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المراد به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة. انتهى.

قال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمٰن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحمه اللَّه: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ العِلْمُ، وينتفي الجَهْل، ويضيءُ القَلْب بنور إلاهيٍّ، ويتلألأ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويتقوَّى الإِلهام، وتبدو الفراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرار، وتوجد الفوائدُ.

السابقالتالي
2