Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ } * { قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ } * { قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ } * { قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }

وقوله سبحانه: { وَقِيلَ يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَاءَكِ... } الآية: البَلْع: تجرُّع الشيء؛ وٱزْدِرَادُهُ، والإِقلاع عن الشيء: تركُه، و { غِيضَ } معناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله: { وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ }: إِشارة إِلى جميع القصَّة: بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة.

قال * ع *: وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا؛ قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وٱسْتَوَتْ [السفينة] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له: { ٱهْبِطْ } في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ؛ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ؛ تواضعاً للَّه؛ فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال الزَّجَّاجُ: الجُودِيُّ: هو بناحية «آمد»، وقال قوم: هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك.

وقوله: { وَقِيلَ بُعْدًا }: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ؛ عطفاً على قوله: { وَقِيلَ } الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر.

وقوله: { إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي... } الآية: ٱحتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ اللَّه أمره بحَمْلِ أهله، وٱبْنُهُ من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ.

وقوله: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي: الذين عَمَّهم الوعْد؛ لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ٱبْنَكَ بالولادة.

وقوله: { عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ }: جعله وصفاً له بالمصدر؛ على جهة المبالغة في وصفه بذلك؛ كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها: [البسيط]
تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ٱدَّكَرَتْ   فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ
أي: ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ؛ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلاً ماضياً، ونصب «غير» على المفعول لـــ «عَمِلَ»، وقولُ من قال: «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والجمهور؛ قالوا: وأما قوله تعالى:فَخَانَتَاهُمَا } [التحريم:10] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس: هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا؛ ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي: إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ؛ قاله النَّخَعِيُّ وغيره. انتهى. والأولُ أبينُ؛ وعليه الجمهورُ، وبه صدَّر المهدويُّ، ومعنى قوله: { فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي: إِذَا وَعَدتكَ، فٱعلم يقيناً؛ أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه.

السابقالتالي
2