Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ } * { وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } * { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } * { وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } * { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } * { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }

وقوله سبحانه: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ... } الآية: قال الطبريُّ وغيرُه: هذه الآيةُ ٱعترضَتْ في قِصَّة نوحٍ، وهي في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قُرَيْشٍ.

قال * ع *: ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أَنْ يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و " أم " بمعنى «بل».

وقوله سبحانه: { وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ... } الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بٱبْنِهِ، فيقول: يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ:رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } [نوح:26]، و { تَبْتَئِسْ } من البُؤْس، ومعناه: لا تَحْزَنْ.

وقوله: { بِأَعْيُنِنَا }: يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير؛ كما قال عزَّ مِنْ قائل:فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } [المرسلات:23]، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله: { بِأَعْيُنِنَا } أيُّ: بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ: للتكْثير.

وقوله: { وَوَحْيِنَا } معناه: وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك: « أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن ٱصنعها على مثال جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ » إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها. وقوله: { وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ... } الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية: تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم.

وقوله: { وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ }: التقديرُ: فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ ٱلاستقبال، والـــ { مَلأٌ } هنا: الجماعة.

وقوله: { سَخِرُواْ مِنْهُ... } الآية: السُّخْر: ٱلاستجهال مع ٱستهزاءٍ، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ.

وقوله: { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } قال الطبريُّ: يريد في الآخرة.

قال * ع *: ويحتمل الكلام - وهو الأرجح - أن يريد: إِنا نسخر منكم الآن، والعذابُ المُخْزِي: هو الغَرَق، والـــ { مُّقِيمٌ }: هو عذاب الآخرة، والــ«الأمر»: واحد الأمور، ويحتملُ أن يكون مصدر «أمَرَ»، فمعناه: أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، { وَفَارَ } معناه: ٱنبعَثَ بقُوَّة، وٱختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره: أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه، وقالوا: كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي: إِذا فار التنُّور، فٱرْكَبْ في السفينة.

وقوله سبحانه: { قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ... } الآية، الزَّوْج: يقال في مشهورِ كلامِ العرب: للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال: هذا زَوْجُ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب: النَّوْع، وقوله: { وَأَهْلَكَ }: عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه { ٱحْمِلْ } والأهل، هنا: القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر { مَنْ آمَنَ } ، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل: ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل: امرأته وَالِعَةُ - بالعين المهملة -، وقيل: هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم: { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }.