Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن/ الثعالبي (ت 875 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } * { وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } * { وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ } * { قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } * { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

وقوله سبحانه: { قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ... } الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا ٱستقام أنْ يقال: قال كذا وكذا؛ إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: { عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور: «فَعَمِيَتْ» ولذلك وجهان من المعنَى:

أحدهما: خَفِيَتْ.

والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.

وقوله: { أَنُلْزِمُكُمُوهَا }: يريد: إِلزامَ جبر؛ كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

وقوله: { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحَتْ قريشٌ، و { تَزْدَرِي }: أصله: تَزْتَرِي؛ تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: { تَزْدَرِي }: تحتقر، و«الخير»؛ هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ٱزدراؤُهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال؛ وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ اللَّه الخيرَ في القرآن، فهو المَالُ.

قال * ع *: وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه.

* ت *: وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى:فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } [الزلزلة:7] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه:وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج:77]، وانظر قوله عليه السلام: " اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ " ، وقَوْلُهُ تعالَى:إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } [النور:33]، فهٰهنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ؛ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى:إِن تَرَكَ خَيْرًا... } الآية [البقرة:180].

وقوله: { ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ }: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم؛ حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: { إِنِّي إِذاً } لو فعلت ذلك، { لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ، وقولهم: { قَدْ جَادَلْتَنَا }: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: { بِمَا تَعِدُنَا } العذابَ والهلاكَ، { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ، أي: بمفلتين.