Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المحيط/ ابو حيان (ت 754 هـ) مصنف و مدقق


{ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } * { وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ }

هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. ويوم منصوب على أنه مفعول ثان لا نذر، ولا يصح أن يكون ظرفاً، لأنّ ذلك اليوم ليس بزمان للإنذار، وهذا اليوم هو يوم القيامة والمعنى: وأنذر الناس الظالمين، ويبين ذلك قوله: فيقول الذين ظلموا، لأن المؤمنين يبشرون ولا ينذرون. وقيل: اليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات، ولقاء الملائكة بلا بشرى كقوله:لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق } [المنافقون: 10] ومعنى التأخر إلى أجل قريب الرد إلى الدنيا قاله الضحاك، إذ الإمهال إلى أمد وحد من الزمان قريب قاله السدي، أي: لتدارك ما فرطوا من إجابة الدعوة، واتباع الرسل. أو لم تكونوا هو على إضمار القول والظاهر أنّ التقدير فيقال لهم، والقائل الملائكة، أو القائل الله تعالى. يوبخون بذلك، ويذكرون مقالتهم في إنكار البعث، وإقسامهم على ذلك كما قال تعالى:واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } [النحل: 38] ومعنى ما لكم من زوال، من الأرض بعد الموت أي: لا نبعث من القبور. وقال محمد بن كعب: إنّ هذا القول يكون منهم وهم في النار، ويرد عليهم: أو لم تكونوا، ومعناه التوبيخ والتقريع. وقال الزمخشري أو لم تكونوا أقسمتم على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه. وأن يقولوا بلسان الحال حيث بنوا شديداً، وأملوا بعيداً. وما لكم جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: أقسمتم، ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا من زوال، والمعنى: أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزولون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دار أخرى انتهى. فجعل الزمخشري أو لم تكونوا محكياً بقولهم، وهو مخالف لما قد بيناه من أنه يقال لهم ذلك، وقوله: لا يزولون بالموت والفناء ليس بجيد، لأنهم مقرون بالموت والفناء. وقوله هو قول مجاهد. وسكنتم إن كان من السكون، فالمعنى: أنهم قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين بسيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدثونها بما لقي الظالمون قبلهم. وإن كان من السكنى، فإنّ السكنى من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعديته بفي كما يقال: أقام في الدار وقر فيها، ولكنه لما أطلق على سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوأها، وتبين لكم بالخبر وبالمشاهدة ما فعلنا بهم من الهلاك والانتقام. وقرأ الجمهور: وتبين فعلاً ماضياً، وفاعله مضمر يدل عليه الكلام أي: وتبين لكم هو أي حالهم، ولا يجوز أن يكون الفاعل كيف، لأنّ كيف إنما تأتي اسم استفهام أو شرط، وكلاهما لا يعمل فيه ما قبله، إلا ما روي شاذاً من دخول على علي كيف في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين، وإلى في قولهم: أنظر إلى كيف تصنع، وإنما كيف هنا سؤال عن حال في موضع نصب بفعلنا.

السابقالتالي
2