Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل/ الخازن (ت 725 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ } * { فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ } * { لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } * { قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } * { فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ } * { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ } * { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } * { بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } * { وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } * { يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } * { أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } * { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } * { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }

قوله تعالى: { وكم قصمنا } يعني أهلكنا { من قرية كانت ظالمة } يعني كافرة والمراد أهل القرية { وأنشأنا بعدها } أي أحدثنا بعد هلاك أهلها { قوماً آخرين فلما أحسوا بأسنا } أي عذابنا بحاسة البصر { إذا هم منها يركضون } يعني يسرعون هاربين من قريتهم لما رأوا مقدمة العذاب { لا تركضوا } يعني قيل لهم لا تهربوا { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } يعني تنعمتم فيه من العيش { ومساكنكم لعلكم تسألون } قال ابن عباس عن قتل نبيكم، قيل نزلت هذه الآية في أهل حضرموت قرية باليمن، وكان أهلها عرباً فبعث الله إليهم نبياً يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر فقتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل هربوا فقالت الملائكة لهم استهزاء لا تركضوا، أي لا تهربوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون شيئاً من دنياكم فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة فأتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء يا لثارات الأنبياء فلما رأوا ذلك، أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } يعني لأنفسنا حين كذبنا الرسل وذلك أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ينفعهم الندم { فما زالت تلك دعواهم } يعني تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا { حتى جعلناهم حصيداً } يعني بالسيوف كما يحصد الزرع { خامدين } يعني ميتين. قوله عز وجل: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } معناه ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من العجائب والمنافع التي لا تعد ولا تحصى { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال ابن عباس: اللهو المرأة وعنه أنه الولد { لاتخذناه من لدنا } يعني من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض، وقيل معناه لو كان ذلك جائزاً في حقنا لم نتخذه بحيث يظهر لكم بل نستر، ذلك حتى لا تتطلعوا عليه، وذلك أن النصارى لما قالوا، في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بقوله لاتخذناه من لدنا لأنكم لا تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره { إن كنا فاعلين } يعني ما كنا فاعلين، وقيل ما كنا ممن يفعل ذلك لأنه لا يليق بالربوبية { بل } يعني دع ذلك الذي قالوه فإنه كذب وباطل { نقذف } يعني نرمي ونسلط { بالحق } يعني بالإيمان { على الباطل } يعني على الكفر، وقيل الحق قول الله أنه لا ولد له والباطل قولهم اتخذ الله ولداً { فيدمغه } فيهلكه { فإذا هو زاهق } يعني ذاهب والمعنى أنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يذهب ويضمحل، ثم أوعدهم على كذبهم فقال تعالى { ولكم الويل } يا معشر الكفار { مما تصفون } الله بما لا يليق من الصحابة والولد { وله من في السموات والأرض } يعني عبيداً وملكاً وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم { ومن عنده } يعني الملائكة وإنما خص الملائكة وإن كانوا داخلين في جملة من في السموات لكرامتهم ومزيد الاعتناء بهم { لا يستكبرون عن عبادته } يعني لا يتكبرون ولا يتعظمون عنها { ولا يستحسرون } يعني لا يعيون ولا يتعبون، وقيل لا ينقطعون عن العبادة ثم وصفهم الله تعالى { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } يعني لا يضعفون ولا يسأمون، وذلك أن تسبيحهم متصل دائم لا يفتر في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو شغل أخر قال كعب الأحبار التسبيح لهم كالنفس لبني آدم { آم اتخذوا آلهة من الأرض } يعني الأصنام من الحجارة والخشب وغيرهم من المعادن وهي من الأرض { هم ينشرون } يعني يحيون الأموات إذ لا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهو الله عز وجل { لو كان فيهما } يعني في السماء والأرض { آلهة إلا الله } يعني غير الله { لفسدتا } يعني لخربتا وهلك من فيهما الوجود والتمانع من الآلهة لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام وقال الإمام فخر الدين الرازي قال المتكلمون القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال، فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالاً، وإنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه.

السابقالتالي
2 3