Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } * { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ }

{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح لأحد من البشر { أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً } أي إلهاماً كما روي «نفث في روعي» أو رؤيا في المنام كقوله عليه السلام " رؤيا الأنبياء وحي " وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد { أَوْ مِن وَرَآءِ } حِجَابٍ أي يسمع كلاماً من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه. وليس المراد به حجاب الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحجاب ولكن المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي يرسل ملكاً { فَيُوحِىَ } أي الملك إليه. وقيل: وحياً كما أوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي نبياً كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم. و { وَحْياً } و { أَن يُرْسِلَ } مصدران واقعان موقع الحال لأن { أَن يُرْسِلَ } في معنى إرسالاً و { مِن وَرَاء حِجَابٍ } ظرف واقع موقع الحال كقولهوَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } [آل عمران: 191]. والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. ويجوز أن يكون المعنى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً وهو اختيار الخليل، { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ } بالرفع: نافع على تقدير أو هو يرسل { بِإِذْنِهِ } إذن الله { مَا يَشَآءُ } من الوحي { إِنَّهُ عَلِىٌّ } قاهر فلا يمانع { حَكِيمٌ } مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض.

{ وَكَذٰلِكَ } أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك أو كما وصفنا لك { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } إيحاء كذلك { رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } يريد ما أوحى إليه لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح { مَا كُنتَ تَدْرِى } الجملة حال من الكاف في { إِلَيْكَ }. { مَا ٱلْكِتَـٰبُ } القرآن { وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } أي شرائعه أو ولا الإيمان بالكتاب لأنه إذا كان لا يعلم بأن الكتاب ينزل عليه لم يكن عالماً بذلك الكتاب. وقيل: الإيمان يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك بما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي { وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ } أي الكتاب { نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى } { لتدعو } وقرىء به { إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } الإسلام { صِرٰطِ ٱللَّهِ } بدل { ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } ملكاً وملكاً { أَلآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } هو وعيد بالجحيم ووعد بالنعيم والله أعلم بالصواب.