Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } * { وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } * { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } * { وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } * { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } * { هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } * { ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } * { ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } * { وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } * { وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } * { وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ } * { لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }

{ سَلَـٰمٌ } بدل من { مَّا يَدَّعُونَ } كأنه قال لهم سلام يقال لهم { قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيماً لهم وذلك متمناهم ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس: والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. { وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أبداً ويقول لهم يوم القيامة { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } العهد الوصية وعهد إليه إذا وصاه وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع، وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم { وَأَنِ ٱعْبُدُونِى } وحدوني وأطيعوني { هَـٰذَا } إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن { صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ } بكسر الجيم والباء والتشديد: مدني وعاصم وسهل { جبلاً } بضم الجيم والباء والتشديد: يعقوب { جُبْلاًّ } مخففاً: شامي وأبو عمرو. و { جُبُلاًّ } بضم الجيم والباء وتخفيف اللام: غيرهم، وهذه لغات في معنى الخلق { كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل { هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها { ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها.

{ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } أي نمنعهم من الكلام { وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث " يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل " { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم. والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة { فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرٰطَ } على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط { فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم { وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ } قردة أو خنازير أو حجارة { عَلَىٰ مَكَـٰنَتِهِمْ } { على مكاناتهم } أبو بكر وحماد. والمكانة والمكان واحد كالمقامة والمقام أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم { فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء أو مضياً أمامهم ولا يرجعون خلفهم.

{ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ } عاصم وحمزة، والتنكيس: جعل الشيء أعلاه أسفله، الباقون { نَنْكُـسه } { فِى ٱلْخَلْقِ } أي نقلبه فيه بمعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفاً وبدل الشباب هرماً، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقض حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله قال عز وجل:

السابقالتالي
2