Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً } * { تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } * { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي إذا قال محمد عليه الصلاة والسلام للمشركين { ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ } صلوا لله واخضعوا له { قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } أي لا نعرف الرحمن فنسجد له، فهذا سؤال عن المسمى به لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول بـ «ما» أو «عن» معناه لأنه لم يكن مستعملاً في كلامهم كما استعمل الرحيم والراحم والرحوم { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } للذي تأمرنا بالسجود له أو لأمرك بالسجود يا محمد من غير علم منا به. { يأمرنا } علي وحمزة كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو؟ فقد عاندوا لأن معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول: رجل عطشان إذا كان في نهاية العطش { وَزَادَهُمْ } قوله { اسجدوا للرحمن } { نُفُورًا } تباعداً عن الإيمان { تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } هي منازل الكواكب السيارة لكل كوكب بيتان يقوي حاله فيهما. وللشمس بيت وللقمر بيت. فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيصيب كل واحد منها ثلاثة بروج: فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. سميت المنازل بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البروج من التبرج لظهوره. وقال الحسن وقتادة ومجاهد: البروج هي النجوم الكبار لظهورها { وَجَعَلَ فِيهَا } في السماء { سِرَاجاً } يعني الشمس لتوقدها. { سرجا } حمزة وعلى أي نجوماً { وَقَمَراً مُّنِيراً } مضيئاً بالليل.

{ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } فعلة من خلف كالركبة من ركب وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر، والمعنى جعلهما ذوي خلفة يخلف أحدهما الآخر عند مضيه أو يخلفه في قضاء ما فاته من الورد { لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } يتدبر في تسخيرهما واختلافهما فيعرف مدبرهما. { يذكر } حمزة وخلف أي يذكر الله أو المنسي فيقضي { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أي يشكر نعمة ربه عليه فيهما.