Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } * { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } * { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً }

{ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ } طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } جرأة أو فجوراً أي لنخرجن من كل طائفة من طوائف الغي أعتاهم فأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب، نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. وقيل: المراد بأشدهم عتياً الرؤساء لتضاعف جرمهم لكونهم ضلالاً ومضلين. قال سيبويه: { أيهم } مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته وهو «هو» من «هو أشد» حتى لو جيء به لأعرب بالنصب، وقيل: أيهم هو أشد وهذا لأن الصلة توضح الموصول وتبينه كما أن المضاف إليه يوضح المضاف ويخصصه، فكما أن خذف المضاف إليه في «من قبلُ» يوجب بناء المضاف وجب أن يكون حذف الصلة أو شيء منها موجباً للبناء وموضعها نصب بـ «نزع»، وقال الخليل: هي معربة وهو مبتدأ وأشد خبره وهو رفع على الحكاية تقديره: لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد على الرحمن عتياً. ويجوز أن يكون النزع واقعاً على { من كل شيعة } كقوله { ووهبنا لهم من رحمتنا } أي لننزعن بعض كل شيعة فكأن قائلاً قال: من هم؟ فقيل: أيهم أشد عتياً، و«على» يتعلق بأفعل أي عتوهم أشد على الرحمن { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا } أحق بالنار { صِلِيّاً } تمييز أو دخولاً والباء تتعلق بـ { أولى } { وَإِن مّنكُمْ } أحد { إِلاَّ وَارِدُهَا } داخلها والمراد النار والورود: الدخول عند علي وابن عباس رضي الله عنهم وعليه جمهور أهل السنة لقوله تعالى:فأوردهم النار } [هود: 98] ولقوله تعالىلو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } [الأنبياء: 99] ولقوله { ثم تنجى الذين اتقوا } إذ النجاة إنما تكون بعد الدخول لقوله عليه السلام: " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم وتقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي " وقيل: الورود بمعنى الدخول لكنه يختص بالكفار لقراءة ابن عباس { وإن منهم } وتحمل القراءة المشهورة على الإلتفات. وعن عبد الله: الورود الحضور لقوله تعالى:ولما ورد ماء مدين } [القصص: 23] وقولهأولئك عنها مبعدون } [الأنبياء: 101] وأجيب عنه بأن المراد عن عذابها. وعن الحسن وقتادة: الورود المرور على الصراط لأن الصراط ممدود عليها فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لقوله عليه السلام: " الحمى حظ كل مؤمن من النار " وقال رجل من الصحابة لآخر: أيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: وأيقنت بالصدر؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك وفيم التثاقل؟ { كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } أي كان ورودهم واجباً كائناً محتوماً والحتم مصدر حتم الأمر إذا أوجبه فسمى به الموجب كقولهم «ضرب الأمير».