Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } * { مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ }

{ يَتَجَرَّعُهُ } يشربه جرعة جرعة { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله:لم يكد يراها } [النور: 40] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكاً { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } لأنه لو مات لاستراح { وَمِن وَرَائِهِ } ومن بين يديه { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ } مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين { كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد { ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ } { الرياح } مدني { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك:«يوم ماطر»، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف { لاَّ يَقْدِرُونَ } يوم القيامة { مِمَّا كَسَبُواْ } من أعمالهم { عَلَىٰ شَيْءٍ } أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء { ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب { أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم الخطاب لكل أحد { أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } { خالق } مضافاً حمزة وعلي { بِٱلْحَقِّ } بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم