Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل/ النسفي (ت 710 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ } * { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

{ قَالَ } لهن { مَا خَطْبُكُنَّ } ما شأنكن { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } هل وجدتن منه ميلاً إليكن { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } من ذنب { قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلئَنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ } ظهر واستقر { أَنَاْ رٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في قوله { هي روادتني عن نفسي } ولا مزيد على شهادتهم له للبراءة والنزاهة واعترافهن على أنفسهن إنه لم يتعلق بشيء مما قذف به.

ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها فقال يوسف { ذٰلِكَ } أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البراءة { لِيَعْلَمَ } العزيز { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بظهر الغيب في حرمته، و { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز { وَأَنَّ ٱللَّهَ } أي وليعلم أن الله { لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها. ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال، أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو الخطرة البشرية لا عن طريق القصد والعزم { إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء } أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت { ما جزاء من أراد بأهلك سوءأً إلا أن يسجن } وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسها رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه. وقيل: هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله { ذلك ليعلم } متصل بقوله { فاسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن }.