Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق


{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } * { وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } * { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }

قوله تعالى: { فاعْلَمْ أنه لا إِله إِلاّ اللهُ } قال بعضهم: اثْبُتْ على عِلْمك، وقال قوم: المراد بهذا الخطاب غيره؛ وقد شرحنا هذا في فاتحة (الأحزاب). وقيل: إِنه كان يَضيق صدرُه بما يقولون، فقيل له: اعْلَمْ أنه لا كاشفِ لما بِكَ إِلاّ اللهُ.

فأمّا قوله؛ { واستَغْفِر لِذَنْبِكَ } فإنه كان يَستغفر في اليوم مائة مرة، وأُمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إِكراماً لهم لأنه شفيعٌ مُجابٌ.

{ واللهُ يَعْلَمُ متقلَّبَكم ومَثْواكم } فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: مُتقلَّبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وهو معنى قول ابن عباس.

والثاني: مُتقلَّبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء، ومقامكم في القبور، قاله عكرمة.

والثالث: " مُتقلَّبكم " بالنهار و " مثواكم " أي: مأواكم بالليل، قاله مقاتل.

قوله تعالى: { ويقول الذين آمَنوا لولا نُزِّلَتْ سُورةٌ } قال المفسرون: سألوا ربَّهم أن يُنزل سُورةً فيها ثواب القتال في سبيل الله، اشتياقاً منهم إلى الوحي وحِرصاً على الجهاد، فقالوا: " لولا " أي: هلا؛ وكان أبو مالك الأشجعي يقول: " لا " هاهنا صلة، فالمعنى: لو أُنزلتْ سورة، شوقاً منهم إِلى الزيادة في العِلْم، ورغبةً في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض.

وفي معنى { مُحكَمة } ثلاثة أقوال.

أحدها: أنها التي يُذْكَر فيها القتال، قاله قتادة.

والثاني: أنها التي يُذْكَر فيها الحلال والحرام.

والثالث: التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي.

ومعنى قوله: { وذُكِرَ فيها القتالُ } أي: فُرِضَ فيها الجهاد.

وفي المراد بالمرض قولان.

أحدهما: النفاق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور.

والثاني: الشكّ، قاله مقاتل.

قوله تعالى: { ينظُرونَ إِليك } أي: يَشْخَصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظراً شديداً كما ينظُر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ويخافون إِن قعدوا أن يتبيَّن نفاقُهم.

{ فأَوْلَى لهم } قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: " أَوْلَى لكَ " أي: وَلِيَكَ وقارَبَك ما تَكْره. وقال ابن قتيبة: هذا وَعِيدُ وتهديد، تقولُ للرجُل ـ إذا أردتَ به سوءاً، فَفَاتَكَ ـ أوْلَى لكَ، ثم ابتدأ، فقال: { طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ... } وقال سيبويه والخليل: المعنى طاعةُ وقولٌ معروفٌ أمثل. وقال الفراء: الطاعةُ معروفةٌ في كلام العرب، إِذا قيل لهم: افعلوا كذلك، قالوا: سَمعٌ وطاعةٌ، فوصف [اللهُ] قولَهم قبل أن تنزل السُّورة أنهم يقولون: سمعٌ وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوا. وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: { فأولى } ، ثم قال: { لهم } أي: للذين آمنوا منهم { طاعةٌ } فصارت (أَوْلَى) وعيداً لِمَن كَرِهها، واستأنف الطاعة بـ { لهم }؛ والأول عندنا كلام العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح. وذكر بعض المفسرين أن الكلام متصل بما قبله؛ والمعنى: فأَوْلَى لهم أن يُطيعوا وأن يقولوا معروفاً بالإِجابة.

قوله تعالى: { فإذا عَزَمَ الأمْرُ } قال الحسن: جَدَّ الأمْرُ. وقال غيره: جَدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه في الجهاد، ولَزِمَ فرضُ القتال، وصار الأمر معروفاً عليه. وجواب " إذا " محذوف تقديره: فإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يدُلُّ على المحذوف { فلَوْ صَدَقُوا اللهَ } أي: في إِيمانهم وجهادهم { لكان خَيْراً لهم } من المعصية والكراهة.