Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } * { أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

قوله تعالى: { ولقد آتينا داود مِنَّا فَضْلاً } وهو النُّبوَّة والزَّبور وتسخير الجبال والطير، إِلى غير ذلك ممَّا أنعم اللّهُ به عليه { يا جبالُ أوِّبي معه } وروى الحلبي عن عبد الوارث: { أُوْبي } بضم الهمزة وتخفيف الواو. قال الزجاج: المعنى: وقلنا: يا جبال أوِّبي معه، أي: رجِّعي معه. والمعنى: سبِّحي معه ورجِّعي التسبيح. ومن قرأ: { أُوْبي } ، معناه: عودي في التسبيح معه كلما عاد. وقال ابن قتيبة: { أوِّبي } أي: سبِّحي، وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كلَّه، وينزل ليلاً، فكأنه أراد: ادأَبي النهار [كلَّه] بالتسبيح إِلى الليل.

قوله تعالى: { والطََّيْرَ } وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن أبي عبلة: { والطَّيْرُ } بالرفع. فأما قراءة النصب، فقال أبو عمرو بن العلاء: هو عطف على قوله: { ولقد آتينا داود مِنَّا فضلاً } { والطَّيْرَ } أي: وسخَّرْنا له الطَّيْرَ. قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على النداء، كأنه قال: دعَوْنا الجبالَ والطيرَ، فالطير معطوف على موضع الجبال، وكل منادى عند البصريين فهو في موضع نصب؛ قال: وأما الرفع، فمن جهتين، إِحداهما: أن يكون نسقاً على ما في { أوِّبي } ، فالمعنى: يا جبال رجِّعي التسبيح معه أنتِ والطير؛ والثانية: على النداء، المعنى: يا جبال ويا أيُّها الطير أوِّبي [معه].

قال ابن عباس: كانت الطير تسبِّح معه إِذا سبَّح، وكان إِذا قرأ لم تبق دابَّة إِلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبِّحي، وللطير: أجيبي، ثم يَأخذ هو في تلاوة الزَّبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناسُ منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيبَ منه.

قوله تعالى: { وألنَّا له الحديد } أي: جعلناه ليِّناً. قال قتادة: سخَّر اللّهُ له الحديد بغير نار، فكان يسوِّيه بيده، لا يُدخله النار، ولا يضربه بحديدة، وكان أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح.

قوله تعالى: { أَنِ اعْمَلْ } قال الزجاج: معناه: وقلنا له: اعْمَل، ويكون في معنى «لأن يعمل» { سابغات } أي: دروعاً سابغات، فذكر الصفة لأنها تدل على الموصوف.

قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء، فيعمل الدِّرع في بعض يوم فيبيعه بمال كثير، فيأكل ويتصدق. والسابغات: الدروع الكوامل التي تغطّي لابسها حتى تَفْضُل عنه فيجرّها على الأرض.

{ وقَدِّر في السَّرْدِ } أي: اجعله على قدر الحاجة. قال ابن قتيبة: السَّرْدُ: النَّسْج، ومنه يقال لصانع الدُّروع: سَرَّادٌ وزَرّادٌ، تبدل من السين الزاي، كما يقال: سرّاط وزرّاط. وقال الزجاج: السَّرْدُ في اللغة: تَقْدِمَةُ الشيء إِلى الشيء تأني به متَّسقاً بعضُه في إِثر بعض متتابعاً. ومنه قولهم: سَرَدَ فلان الحديثَ.

وفي معنى الكلام قولان.

أحدهما: عدِّل المسمار في الحَلْقة ولا تصغِّره فيقلق، ولا تُعظِّمه فتنفصم الحَلْقة، قاله مجاهد.

والثاني: لا تجعل حِلَقَه واسعة فلا تَقي صاحبها، قاله قتادة. قوله تعالى: { واعْمَلوا صالحاً } خطاب لداود وآله.