Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } * { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } * { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ }

{ ولمَّا بلغ أشُدَّه } قد فسرنا هذه الآية في سورة [يوسف:22]، وكلامُ المفسرين في لفظ الآيتين متقارب، إِلا أنهم فرَّقوا بين بلوغ الأشُدِّ وبي الاستواء؛ فأما بلوغ الأشُدِّ، فقد سلف بيانه [الانعام:152].

وفي مدة الاستواء لهم قولان.

أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد.

والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير. قال المفسرون: مكث عند أمِّه حتى فطمته، ثم ردَّته إِليهم، فنشأ في حِجْر فرعون وامرأته واتخذاه ولداً.

قوله تعالى: { ودخل المدينة } فيها قولان.

أحدهما: أنها مصر.

والثاني: مدينة بالقرب من مصر.

قال السدي: ركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب في إِثره فأدركه المَقِيل في تلك المدينة. وقال غيره: لمَّا توهَّم فرعون في موسى أنَّه عدوُّه أمر باخراجه من مدينته، فلم يدخل إِلا بعد أن كَبِر، فدخلها يوماً { على حين غفلة من أهلها }. وفي ذلك الوقت أربعة أقوال.

أحدها: أنَّه كان يوم عيد لهم، وكانوا قد اشتغلوا فيه بلهوهم، قاله عليٌّ عليه السلام.

والثاني: أنه دخل نصف النهار، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ابن جبير.

والثالث: بين المغرب والعشاء، قاله وهب بن منبِّه.

والرابع: أنَّهم لمَّا أخرجوه لم يدخل عليهم حتى كَبِر، فدخل على حين غفلة عن ذِكْره، لأنَّه قد نُسي أمرُه، قاله ابن زيد.

قوله تعالى: { هذا مِنْ شِيعته } أي: من أصحابه من بني إِسرائيل { وهذا مِنْ عدوِّه } أي: من أعدائه من القِبط، والعدوّ يُذْكَر للواحد وللجمع. قال الزجاج: وإِنما قيل في الغائب: «هذا» و «هذا»، على جهة الحكاية للحضرة؛ والمعنى: أنه إِذا نظر إِليهما الناظر قال: هذا مِنْ شِيعته، وهذا مِنْ عدوِّه. قال المفسرون: وإِنَّ القِبطي كان قد سَخَّر الإِسرائيليَّ أن يحمل حطباً إِلى مطبخ فرعون { فاستغاثه } أي: فاستنصره، { فوكزه } قال الزجاج: الوَكْز: أن يضربه بجميع كفِّه. وقال ابن قتيبة: { فوكزه } أي: لَكَزَهُ، يقال: وَكَزْتُه ولَكَزْتُه ولَهَزْتُه: إِذا دفَعْته، { فقضى عليه } أي: قتله؛ وكلُّ شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه. وللمفسرين فيما وكزه به قولان.

أحدهما: كفّه، قاله مجاهد.

والثاني: عصاه، قاله قتادة.

فلمَّا مات القِبطي ندم موسى لأنه لم يُرِد قتله، و { قال هذا مِنْ عمل الشيطان } أي: هو الذي هيَّج غضبي، حتى ضربتُ هذا، { إِنَّه عَدُوٌّ } لابن آدم { مُضِلٌّ } له { مُبِينٌ } عداوته. ثم استغفر فـ { قال ربِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نفسي } أي: بقتل هذا، ولا ينبغي لنبيّ أن يقتُل حتى يُؤْمَر. { قال ربِّ بما أنعمتَ عليَّ } بالمغفرة { فلن أكون ظهيراً للمُجْرِمِين } قال ابن عباس: عوناً للكافرين، وهذا يدلُّ على أن الإِسرائيليَّ الذي أعانه موسى كان كافراً.